من فرح الخدمة إلى فرح سيده.. القمص أنطونيوس أميل يكتب رسالة تعزية من نيوجيرسي في وداع “الكاهن البشوش”
21.08.2026 15:07
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
وطني
من فرح الخدمة إلى فرح سيده.. القمص أنطونيوس أميل يكتب رسالة تعزية من نيوجيرسي في وداع “الكاهن البشوش”
Font Size
وطني

في كلمات يملؤها الحب والوفاء، ويرتسم بين سطورها ألم الفراق ورجاء القيامة، يقدم القمص أنطونيوس أميل، من نيوجيرسي، رسالة تعزية ورثاء في نياحة الأب الحبيب القس إسحاق نبيه “الكاهن البشوش” مستعيدًا سنوات طويلة جمعته به منذ ما قبل الكهنوت وحتى خدمته كاهنًا، في عشرة امتدت بالإنسانية والصداقة والشركة في الخدمة.. ولا تأتي كلمات القمص أنطونيوس باعتبارها مجرد رثاء لكاهن رحل عن عالمنا، بل شهادة من شاهد مسيرة أبونا إسحاق عن قرب، ولمس في شخصه قلب الخادم المحب، والإنسان المبتسم، والكاهن الذي لم يعرف اليأس طريقًا إلى خدمته.

وفي رسالة تجمع بين الذكرى والإيمان، والألم والرجاء، يودع القمص أنطونيوس أميل صديقه وأخاه في الخدمة، مؤكدًا أن رحيل أبونا إسحاق بالجسد لا يعني انتهاء حضوره، لأن ثمار خدمته والبذار التي زرعها في حياة الكثيرين ستبقى شاهدة على حياته.

 

وفي ختام رسالته، يضع القمص أنطونيوس أمامنا الصورة الأجمل لمسيرة أبونا إسحاق: من فرح الخدمة على الأرض إلى فرح سيده في السماء، ومن «الضحكة» التي حملها اسمه ورسالة حياته، إلى الفرح الأبدي الذي لا ينزعه أحد.. والسطور المقبلة تحمل نص رسالة التعزية والتي جاء فيها:

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

في مثل هذه اللحظات، تصبح الكلمات أصغر من أن تعبّر عن المشاعر، لأننا لا نودّع مجرد كاهن عرفناه، بل نودّع اباً و أخًا وصديقًا وشريكًا في الخدمة، جمعتنا به عشرة جميلة امتدت لسنين طويلة.
عرفت أبونا إسحاق عن قرب قبل الكهنوت وبعده، ولذلك لم تكن معرفتي به معرفة المناسبات أو اللقاءات العابرة، بل كانت معرفة سنوات ، رأيت فيها الإنسان، والخادم، ثم الكاهن، ورأيت كيف ظل خيط واحد يربط كل مراحل حياته: قلب يحب الخدمة، وإرادة لا تعرف اليأس، وفرح داخلي كان يريد أن يقدمه لكل من حوله.
ولعل من أجمل الذكريات التي لا أنساها، يوم رسامته، عندما سألته:

لماذا اخترت اسم “إسحاق”؟

فأجابني ببساطة وفرح:
“لأن إسحاق معناه (الضاحك – الذي يضحك) … وأنا عاوز أخدم وأنا فرحان.”

واليوم، وأنا أتذكر هذه الكلمات، أشعر أنها لم تكن مجرد تفسير لاختيار اسم، بل كانت، دون أن يدري، تلخيصًا لرسالة حياته كلها.
اختار أن يكون “إسحاق”… أن يخدم بفرح، وأن يحمل إلى الآخرين الرجاء حتى وسط التعب، وأن تبقى الخدمة بالنسبة له ليست عبئًا يؤديه، بل حياة يعيشها
والفرح عند أبونا إسحاق لم يكن معناه أن الطريق كان سهلًا، أو أن الخدمة لم تعرف التعب والمقاومة. بالعكس، لقد عرفته خادمًا مقاتلًا.
كان من نوعية الخدام الذين إذا أُغلق أمامهم باب، لا يجلسون أمامه يندبون الظروف، بل يبحثون عن باب آخر. وإذا ظهرت عقبة، لم تكن العقبة عنده سببًا للتوقف، بل سؤالًا: كيف نعبرها؟

لذلك أرى أن من الآيات التي تعبّر عنه بصورة خاصة قول القديس بولس الرسول:

“لِذَلِكَ يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءُ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبّ” ( كورنثوس 15 : 58 )
راسخين، غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب»… أظن أن هذه الكلمات ترسم جانبًا حقيقيًا جدًا من صورة أبونا إسحاق
كان مبادرًا وجريئًا
لم يكن ينتظر دائمًا أن يأتيه العمل، بل كان يذهب هو إلى العمل. وكانت لديه شجاعة البدايات؛ وهذه ليست موهبة بسيطة، لأن كثيرين يستطيعون أن يكملوا طريقًا بدأه آخرون، لكن قليلين هم الذين يملكون الإيمان والشجاعة ليقولوا: لنبدأ.
وقد ظهرت هذه الروح في الخدمات التي أسسها، وفي الأفكار التي بادر إليها، وفي الأبواب التي طرقها
كان يرى الاحتياج، ثم يسأل نفسه: وماذا أستطيع أن أفعل؟
وهنا تكمن إحدى أجمل صفات الخادم الحقيقي: أنه لا يكتفي بأن يرى المشكلة، بل يشعر أن الله وضعه أمامها لكي يكون جزءًا من الحل .
وكانت أولوياته واضحة.
وهذه ربما من أكثر الصفات التي تكشف حقيقة الإنسان. لأننا جميعًا نستطيع أن نتحدث عن أولوياتنا، لكن أولويات الإنسان الحقيقية لا تظهر في كلامه، بل تظهر عندما يصبح عليه أن يختار، وعندما تكون هناك تكلفة، وعندما يضطر أن يضحي بشيء يحبه من أجل شيء يؤمن أنه أهم.

وأبونا إسحاق، في أوقات كثيرة، كان مستعدًا أن يدفع ثمن اختياراته، وأن يضحّي حتى بأمور شخصية، لأن الخدمة عنده لم تكن شيئًا زائدًا يُضاف إلى حياته؛ كانت جزءًا من معنى حياته.

وهنا نتعلم منه درسًا مهمًا:

الإنسان لا يُعرَف فقط بما أحبه، بل بما كان مستعدًا أن يضحي من أجله

واليوم، أمام نياحته، لا نستطيع إلا أن نتألم لفراقه بالجسد، وخاصة عندما تكون هناك عشرة ومحبة وذكريات وسنوات طويلة.

لكن إيماننا بالقيامة يجعلنا ننظر إلى النياحة بطريقة مختلفة.
فنحن لا نقيس حياة الخادم فقط بعدد السنوات التي عاشها، بل بالبذار التي زرعها في حياة الناس

هناك أناس يرحلون، فينتهي حضورهم برحيلهم؛ وهناك أناس يرحلون، لكن شيئًا منهم يبقى حيًا في كل إنسان لمسوه، وفي كل خدمة أسسوها، وفي كل نفس شجعوها، وفي كل باب فتحوه، وفي كل شخص تعلم منهم كيف يخدم.
وأعتقد أن أبونا إسحاق ينتمي إلى هذا النوع.

اليوم قد يتوقف صوته، لكن ثمار خدمته لا تتوقف.

وقد تغيب الضحكة التي اختار اسمه من أجلها عن عيوننا لبعض الوقت، لكنني أؤمن أن الذي قال يوم رسامته:

“أنا عاوز أخدم وأنا فرحان”

قد أكمل خدمته، وانتقل من فرح الخدمة المتعب هنا، إلى فرح سيده الذي لا ينتهي.

وهنا أتذكر كلمات السيد المسيح:
«نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ… اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ».
(متى25:21)
وما أجمله ختام لقصته علي الأرض التي بدأت بكلمة “ضحكة”. و بداية لقصته الأبدية وضحكته الأبدية.

يوم الرسامة اختار اسم إسحاق لأنه أراد أن يخدم بفرح، واليوم نصلي أن يسمع من فم سيده:

«ادخل إلى فرح سيدك».

من فرح الخدمة…

إلى فرح سيده.

ومن ضحكة حملها للناس على الأرض…

إلى فرح و ضحك لا ينزعه أحد منه في السماء.

نعزّي أنفسنا، ونعزّي أسرته المباركة، وأحباءه، وأبناءه، وكل من خدم معهم وخدم بينهم.

ونشكر الله من أجل كل سنة أعطانا فيها أبونا إسحاق، ومن أجل العشرة الجميلة، ومن أجل الذكريات، ومن أجل التعب، ومن أجل كل بذرة زرعها ولم يمهله الوقت ليرى كل ثمارها.

نياحًا لروحه الطاهرة، وعزاءً لكل محبيه، ونصيبًا وميراثًا مع جميع القديسين.

وسنبقى نذكره ليس فقط بألم الفراق، بل بالمعنى الذي اختاره هو لاسمه:
إسحاق… ضحكة.
وكأن حياته تقول لنا حتى في ساعة الرحيل:
اخدموا الرب… ولكن اخدموه بفرح.
اتعبوا… ولكن لا تيأسوا.
واجهوا العقبات… ولكن لا تتوقفوا.
ازرعوا… حتى إن لم تمهلكم الأيام لتروا كل الحصاد.
لأن: «تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ».

ابونا الحبيب امض في طريق الأرض كلها الي ان نلتقي في المجد مع الاربعة و العشرون قسيساً نستكمل سجودنا و تسبيحنا و فرحنا و شركتنا الأبدية في الرب.
آمين

القمص أنطونيوس أميل – نيوجيرسي

 

 
 
Leave Comment
Comments
Comments not found for this news.