قداسة البابا:
– مسار العائلة المقدسة محفوظ من خلال الآباء الرهبان فى مناطق الأديرة
– المسيحية دخلت إلى معظم دول العالم ولكن مصر امتازت وانفردت بدخول السيد المسيح إليها
لأنبا بيجول: احتفالنا بيوم مصر الروحى والحضارى والإنسانى، كأرض احتضنت المسيح نفسه
من سيناء إلى الدلتا ومن قلب الوادى إلى أعماق الصعيد.. ارتحلت العائلة المقدسة وسط أرض مصر فصارت كل خطوة حكاية وكل محطة شاهدة على رحلة فريدة لم تعرفها أرض أخرى سوى مصر.
هناك أماكن اختارها التاريخ لتذكر وأماكن اختارها الله لتبارك.. وكانت مصر واحدة من تلك الأماكن حين تشرفت أرضها بخطوات العائلة المقدسة فأصبحت جزءا من تاريخها، وصفحة مضيئة من ذاكرة الإنسانية.
وخلال الرحلة كانت هناك محطة استثنائية، وأصبحت واحدة من أقدس بقاع العالم المسيحى، ففى قلب صعيد مصر، حيث يمتد جبل قسقام شامخًا، نشأ دير السيدة العذراء بالمحرق.. ذلك المكان الذى استراحت فيه العائلة المقدسة أطول فترة خلال رحلتها داخل أرض مصر 6 أشهر وخمسة أيام، ليتحول المكان إلى شاهد خالد على حضور بارك الإنسان والمكان والتاريخ.. ليصبح بمثابة أورشليم الثانية..
داخل جدرانه العتيقة ترفع صلوات آلاف من الرهبان عبر العصور، وتتردد فيه أصداء التسابيح التى لم تنقطع عبر قرون حتى يبدو المكان وكأنه يقف بخشوع فى حضرة الله.
حين تزور دير المحرق تشعر أنك تقترب من محطة مازالت تنبض من رحلة العائلة المقدسة، من أقدس صفحات التاريخ ويسمى »القدس الثانية«.. قبل أن يتحول إلى مزار مقدس، كان بيتًا مهجورًا احتضن التعب والخوف والرجاء، ففى زمن كانت فيه الطرق موحشة والصحارى ممتدة بلا نهاية، وصلت العائلة المقدسة إلى سفح جبل قسقام بعد رحلة طويلة من الهروب والمعاناة.. لم يكن هناك قصر ولا مدينة ولا حتى مأوى يليق بالطفل المبارك، فقط بيت بسيط من الطوب اللبن وبئر ماء وسط الصحراء، وفى ذلك المكان المنعزل استراحت العائلة المقدسة للمرة الأخيرة حتى صار الموضع كله يحمل أثر هذه الرحلة المباركة ويصبح المكان واحدًا من أقدس المزارات المسيحية فى العالم.
وأقيم المذبح الموجود داخل الكنيسة الأثرية بالدير، بالموضع نفسه الذى أقامت فيه العائلة المقدسة، ومنذ ذلك الحين لم يعد جبل قسقام مجرد جبل فى قلب الصعيد، فقد تحول إلى ذاكرة حية لرحلة مقدسة وإلى أرض حملت البركة فى ترابها وحجارتها..
ثم بدأت الحكاية تكبر عبر القرون.. عبر الزمان ظل الآباء الرهبان شهودًا أحياء على تاريخ مازال يتنفس بين جدران هذا الدير العريق، فقد جاء النساك والرهبان إلى هذا الموضع باحثين عن العزلة والصلاة، فتحول البيت المهجور إلى دير عظيم.
فى إطار الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح أرض مصر، شهد مسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، فى الأول من يونية 2026، احتفالية خاصة برعاية وحضور قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وبركة نيافة الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المحرق)، تضمنت الاحتفالية العرض الأول لفيلم »القدس الثانية«، والذى يروى تاريخ دير السيدة العذراء المحرق، أحد أهم المحطات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة فى مصر، والذى يعرف بأنه المكان الذى مكثت فيه العائلة المقدسة أطول فترة خلال رحلتها المباركة، مدة 185 يومًا
وحضر العرض الأول لفيف من الآباء المطارنة والأساقفة والرهبان والكهنة والمستشار بولس فهمى إسكندر رئيس المحكمة الدستورية العليا والدكتور سامح حفنى وزير الطيران المدنى والمستشار هانى حنا وزير شئون المجالس النيابية والدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، وحضر أيضًا دكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة ودكتور محمد هانى محافظ الفيوم واللواء طارق مرزوق محافظ الدقهلية واللواء محمد علوان محافظ أسيوط واللواء عبدالله عبدالعزيز محافظ بنى سويف وعدد من أعضاء مجلسى النواب والشيوخ وكذلك مجموعة من سفراء الدول الأجنبية والقس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، وممثلو عدد من الطوائف المسيحية والمهندس خالد عبدالعزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وعصام الأمير أمين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والسفيرة نبيلة مكرم رئيسة الأمانة الفنية للتحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى والسفير علاء الدين يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات وكثير من الشخصيات العامة والفنانين والإعلاميين والمهتمين بالتراث القبطى ومسار العائلة المقدسة.
بدأ الاحتفال بعرض بانوراما تاريخية عن دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المحرق)، أعقبها توقيع وثيقة تذكارية بمناسبة العرض الأول لفيلم »القدس الثانية«. ثم بدأت فعاليات الاحتفال بعزف السلام الوطنى لجمهورية مصر العربية، تلاه عرض لكورال إيبارشية دير المحرق.
التراث القبطى جزء من التراث الإنسانى
وفى كلمة نيافة الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير السيدة العذراء بجبل قسقام المحرق، بدأ بالترحيب بالجميع والتهنئة بمناسبة عيد دخول السيد المسيح أرض مصر، وقال: تحتفل الكنيسة القبطية بهذا العيد بكل فخر واعتزاز، لأن أرض مصر نالت نعمة فريدة بين بلاد العالم، إذ استقبلت السيد المسيح طفلاً مع أمه العذراء القديسة مريم والقديس يوسف النجار وسالومى القابلة..
لقد كانت رحلة العائلة المقدسة لأرض مصر، رحلة مليئة بالألم والتعب، ولكن الله حولها إلى طريق بركة وخلاص ونور، فسارت كل بقعة مرت بها العائلة المقدسة مكانا يحمل ذكرى مقدسة وبركة خاصة.
ولذلك فإن احتفالنا اليوم ليس مجرد احتفال بحدث تاريخى، مضى عليه زمن، بل هو احتفال بحضور نعمة الله فى أرض مصر عبر الأجيال.. واحتفال بيوم مصر الروحى والحضارى والإنسانى، كأرض احتضنت المسيح نفسه..
لقد حفظ التاريخ والكنيسة معًا تفاصيل رحلة العائلة المقدسة فى أرض مصر، وبقيت هذه الرحلة شاهدًا حيًا على محبة الله لهذا الوطن المبارك.
ومن بين المحطات التى زارتها العائلة المقدسة، دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام المحرق، هذا المكان الذى تشرفت أرضه بإقامة العائلة المقدسة فيه أطول مدة فى الرحلة كلها، خلال رحلتها إلى أرض مصر، وتسلمته الكنيسة عبر التقليد الكنسى وكتابات الآباء خاصة ميمر البابا ثاؤفيلس الأول (البطريرك 23) من بطاركة الكرازة المرقسية.
إنه المكان الذى باركه السيد المسيح بنفسه ودشن مذبحه بيده المقدسة، ونحن فى دير المحرق نحتفل بعيد تدشين الكنيسة الأثرية يوم 6 هاتور من كل عام.
وصار عبر القرون منارة روحية عظيمة للرهبنة والصلاة والعبادة، فدير المحرق ليس مجرد مبان أثرية أو جدران تاريخية، بل هو مكان عاش فيه القديسون وصلى فيه الآباء الرهبان عبر الأجيال القديمة وحمل رسالة الإيمان والمحبة والسلام.
فى عصر أصبحت فيه الميديا إحدى أهم وسائل التواصل مع الإنسان فى كل مكان، كان من المهم أن نقدم هذا التاريخ العظيم ومن هنا جاءت فكرة فيلم »القدس الثانية« هذا العمل الذى لا يقدم فقط معلومات تاريخية بل يسعى إلى نقل روح المكان، وقداسة الرحلة وعمق التراث الروحى الذى يحمله هذا الدير المبارك.
لقد حاول هذا العمل الفنى أن يقدم رسالة لتؤكد أن مصر كانت ومازالت أرضا مباركة وأن التراث القبطى المصرى يمثل جزءًا أصيلاً من التراث الإنسانى والحضارى والعالمى.
وفى نهاية كلمته شكر نيافته أجهزة الدولة وكل الوزارات المعنية فى دعم وإحياء مسار العائلة المقدسة، باعتباره تراثًا روحيًا وحضاريًا فريدًا لمصر أمام العالم.
توثيق تاريخ دير المحرق
ومن جانبه وضح الأب الراهب روفائيل المحرقى، الأب الذى تحمل مع فريق العمل مسئولية إعداد وكتابة السيناريو وتقديم هذا العمل التوثيقى »القدس الثانية« ليخرج إلى النور شاهدًا على تاريخ دير المحرق.. فقال: الحقيقة أن هذا الفيلم هو محاولة بسيطة لرواية قصة عظيمة، قصة عن رحلة باركت أرض مصر وتركت أثرًا مازال يعيش فى قلوبنا.. مكان مازال موجودًا حتى اليوم، قصة ماض مازال حاضرًا وحضوره يعيش فى وجداننا إلى يومنا هذا.. ممكن أن نكون تعودنا أننا نسمع عن الأماكن الأثرية والمحطات التى زارتها العائلة المقدسة، لكن السؤال كيف يمكن أن نرى ونشعر ونعيش قدسية هذه الأماكن.. ومن هنا جاءت فكرة »القدس الثانية«.
لم يكن الهدف من هذا العمل الفنى أن نروى أحداثًا تاريخية لكن نقترب من قدسية الرحلة وروح المكان وحياة الآباء القديسين الذين عاشوا فى هذا المكان المبارك.
نحكى عن وجود العائلة المقدسة فى هذا المكان، وعن تدشين المذبح، وعن المسيحية المبكرة فى جبل قسقام وبداية الحياة الرهبانية فيه. وكذلك نتكلم عن كنائس الدير وتراثه وعمارته.. أيضًا نحكى عن الآباء القديسين الذين عاشوا هذا المكان المقدس.
أصعب شىء واجهناه لم يكن التصوير أو حجم العمل، لكن أن نكون أمناء على الرسالة، لنقدم عملاً يليق بقدسية هذا المكان.. اليوم نحن لا نقدم فيلما فقط بل نقدم رسالة إلى كل العالم، إن مصر أرض مباركة ومقدسة بالحقيقة، وتظل مصر مباركة بشعبها.. مبارك شعبى مصر
فيلم »القدس الثانية«
وبعد كلمة الأب الراهب روفائيل المحرقى تم عرض الفيلم »القدس الثانية« حيث سلط الفيلم الضوء على القيمة الروحية والتاريخية والأثرية لدير المحرق، ودوره البارز فى الحفاظ على تراث رحلة العائلة المقدسة فى أرض مصر. والفيلم جسد التاريخ وجمع نخبة من نجوم الأفلام المسيحية فى رؤية تسعى إلى تقديم تاريخ دير المحرق بصورة تليق بعظمة المكان وقدسية الرحلة.
جاء هذا العمل فى قالب فنى يعرف عالميًا باسم »ديكودراما« ذلك النوع الذى يمزج بين الدراما الوثائقية فيعيد تقديم التاريخ بروح حية تجعل المشاهد لا يكتفى بمعرفة حية ولكن يعيشها بكل تفاصيلها.. فهو ليس مجرد فيلم تسجيلى عن دير المحرق لكنه تجربة بصرية وإنسانية وروحية متكاملة. من خلال معالجة ديكودرامية دقيقة، يجمع الفيلم بين السرد التاريخى الموثق والأداء الدرامى والصورة السينمائية والموسيقى الروحية، يقدم رحلة تتجاوز حدود المشاهدة إلى حالة من المعايشة الحقيقية للتاريخ، فبين المشاهد الدرامية وصوت الراوى وروح التاريخ نقترب بواحدة من أعظم الحكايات التى عرفتها أرض مصر.. الفيلم من إخراج جوزيف نبيل الذى قدم عددًا من الأفلام المسيحية منها »الراهب الصامت« و»التلميذ«.
وفى كلمة اللواء محمد سيد علوان محافظ أسيوط، أعرب فيها عن سعادته وشكره لوجوده فى هذا الحفل، وقال: إن هذه الدعوة تحمل فى طياتها أسمى معانى الروحية وتجسد عمق التاريخ الحضارى والدينى الذى تنفرد به مصر عبر العصور. ونحتفل اليوم بذكرى عزيزة على قلوب المصريين جميعا وهى ذكرى دخول العائلة المقدسة أرض مصر.
تلك الرحلة المباركة التى منحت وطننا المكانة الفريدة فى بلدان الإنسانية ورسخت قيم المحبة والسلام والتسامح والتعايش التى شكلت جوهر الشخصية المصرية، وأتاحت أبرز ملامح حضارتها العريقة.
ولنا فى محافظة أسيوط، نفخر ونعتز بما تحظى به من مكانة استثنائية على خريطة مسار رحلة العائلة المقدسة، حيث تضم بين ربوعها عددًا من أهم المحطات التى شهدت هذه الرحلة المباركة والتى تمثل إرثًا دينيًا وإنسانيًا وحضاريًا غاية فى الأهمية للأجيال المتعاقبة.
فى مقدمة هذه المحطات يأتى دير السيدة العذراء بجبل قسقام، ذلك الصرح الروحى العظيم الذى اكتسب مكانة خاصة باعتباره الموقع الذى أقامت فيه العائلة المقدسة أطول فترة خلال رحلتها بمصر.
ويعد دير المحرق أحد أهم المعالم الدينية والتاريخية فى أسيوط وعلى مستوى العالم أيضًا، بما يحمله من رمزية روحية وقيمة حضارية وإنسانية عظيمة.
ولا يفوتنى فى هذه المناسبة أن أقدم خالص الشكر للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس الجمهورية، الذى أولى اهتمامًا غير مسبوق بملف إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة واعتباره مشروعًا قوميًا وحضاريًا يعكس المكانة التاريخية لمصر ويعزز من دورها كمنارة للتسامح وملتقى الحضارات والأديان.
وقد ترجمت الدولة المصرية هذه الرؤيا فى خطوات عملية ومشروعات تنموية متكاملة تستهدف تطوير نقاط المسار ورفع كفاءة البنية التحتية والخدمات المحيطة بها بما يسهم بتحويلها إلى مقصد عالمى فى السياحة الدينية والثقافة الروحية.
وتراكم هذه الرؤيا الوطنية وتواصل محافظة أسيوط جهودها الحثيثة للحفاظ على موقعها التراثى والدينى والعمل على التطوير المختلف أو الدعم والرعاية بما يحافظ على مكانتها الروحية والتاريخية، وتعزز من دولها فى دعم التنمية المستدامة وترشيد حركة السياحة بالمحافظة.
واختتم كلمته بدعوة الحضور جميعا لزيارة محافظة أسيوط والتعرف على ما تزخر به من كنوز أثرية وتاريخية فريدة وفى مقدمتها دير المحرق الذى سيظل شاهدًا خالدًا على واحدة من أعظم المحطات فى تاريخ مصر الروحى والإنسانى.
ومن جانبها الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، قالت: إن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة دينية بل هو عيد وطنى يرسخ حقيقة تاريخية أن مصر كانت وستظل دائمًا واحة الأمن والأمان وملتقى الحضارات وملاذ الأنبياء وأرضًا مباركة تفيض بالسلام والإنسانية.
وفى قلب هذا الاحتفال سعدت كأستاذ للحضارة المصرية القديمة بمشاهدة فيلم »القدس الثانية« الذى يوثق محطة فارقة من تاريخ الإنسانية على أرض مصر.
إن بيت السيدة العذراء مريم بدير المحرق ليس مجرد أثر نعتز به أو بناء نقرأ من خلاله عبقرية المكان، بل هو حارس على ذاكرة حية لرحلة العائلة المقدسة.
وحضورى اليوم يأتى من إيمانى وإيماننا المشترك بضرورة صون إرث هذا الوطن وتتقاطع أحداث هذا الحدث مباشرة مع استراتيجية ورؤية وزارة الثقافة المصرية لحفظ الهوية الوطنية والتى ترتكز فيها على صون الذاكرة الوطنية الجماعية، وكذلك استدامة الهوية عبر الفن لتحصين وعى الشباب ضد أى محاولة لطمس الهوية أو تشويهها، وإبراز عبقرية المكان المصرى لتقديم هذا التراث الثرى كرسالة سلام ومحبة وإرث إنسانى عالمى تفتخر به مصر أمام العالم أجمع.
إن فيلم »القدس الثانية« الذى شاهدناه اليوم، يعد وثيقة بصرية تؤكد أن مصر لم تكن يومًا مجرد بلد يمر به التاريخ، بل هى المكان الذى صنع فيه التاريخ وصنعت فيه الحضارة وتوجت فيه الرسالات
واختتمت الكلمات بكلمة قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الذى أعرب عن سعادته بهذه المناسبة والاحتفال، مرحبًا بالضيوف جميعًا، لافتًا النظر إلى أن المسيحية دخلت إلى معظم دول العالم ولكن مصر امتازت وانفردت بأن السيد المسيح نفسه دخل إليها وعاش فيها، ولذلك صارت مصر وطنًا وأرضًا مباركة ممتلئة بالنعمة، ونقول فى التعبير الشعبى »عمار يا مصر« لأنه بالحقيقة هذه الأرض مباركة بالنعمة وبالزيارة وبالتاريخ وهى أرض محروسة.
وقال قداسته أيضًا: اليوم نحتفل بعيد مجىء العائلة المقدسة إلى مصر وهو يوم ثابت فى التاريخ، اليوم الأول من شهر يونيو الموافق ٤٢ بشنس فى الشهور القبطية، ولهذه الرحلة ٥٢ محطة بدأت الدولة تهتم بها منذ سنوات قليلة ولكن الكنيسة تحتفل بهذه المناسبة منذ القرون الأولى.
وأود أن ألفت النظر هنا إلى أن الرهبنة قد بدأت على أرض مصر، وأول راهب فى العالم وفى التاريخ هو القديس الأنبا أنطونيوس أب جميع الرهبان، وهو من صعيد مصر، ومن مصر انتشرت الرهبنة فى العالم كله، والدير المحرق هو أحد أديرتنا العامرة والتى لها تاريخ كبير ضمن عشرات من الأديرة الأخرى.
وعن مسار العائلة المقدسة قال قداسته: المسار محفوظ ومحروس خلال القرون الماضية من خلال الآباء الرهبان فى مناطق الأديرة ومن خلال الآباء الكهنة فى الكنائس التى عمرت فى مواضع المسار فكان مسار العائلة المقدسة الذى نحتفل به سنويًا منذ عشرات السنين بل ومنذ القرون الأولى هو موجود ومصون وتتم صيانته من خلال الآباء الساكنين فيه.
هذا يختلف تمامًا عن الآثار الأخرى، فالآثار الفرعونية لم يسكنها أحد لكى ما يحرسها ولكن هذه الصفحات التراثية فى تاريخ مصر محروسة ومصونة ومعروفة عبر هذا التاريخ ونسلمها من جيل إلى جيل.
ولفت إلى أن رحلة العائلة المقدسة بهذه الصورة وفى هذه المحطات ثم المحطة الكبيرة فى أسيوط فى الدير المحرق، المحطة التى بقيت فيها العائلة المقدسة أكثر من ستة شهور وفيها المذبح المقدس الذى دشن بيد السيد المسيح، هذا التراث العالمى والعظيم الذى نفتخر به على أرض الوطن هو تراث يحق أن يعرفه كل أحد ليس الأقباط المسيحيين فقط بل يجب أن يعرفه كل إنسان.
ونوه إلى أنه عندما يزور بعض الأجانب مصر يدعوهم قداسته إلى زيارة الأديرة، فهناك أديرة من القرن الرابع الميلادى وهناك صفحات تاريخية تراثية وطنية مصرية عريقة بها، هذا الأمر فى غاية الأهمية، ومن هنا ظهرت أهمية هذا الفيلم »القدس الثانية«.. بوجود الفيلم بامتزاج جميل بين التاريخ والدراما والتوثيق جعل منه عملاً فنيًا راقيًا وعملاً يحفظ للأجيال ويحفظ للتاريخ.. يقولون عن مصر إنه وطن فلتة الطبيعة، فهذا الوطن أبوه التاريخ وأمه الجغرافيا، هذه هى مصر وهذا هو امتياز مصر بين كل أوطان العالم.
وفى ختام الاحتفال تم تكريم عدد من الشخصيات المشاركين والقائمين على العمل بيد قداسة البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ونيافة الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير المحرق.
وفى تصريح خاص لـ»وطنى« من نيافة الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير المحرق، أكد على اهتمام الدولة بهذه المناسبة وهذا يتضح من تواجد كل مؤسسات الدولة فى هذا الاحتفال مما جعل الاحتفال بذكرى العائلة المقدسة، احتفالاً وطنيًا..
وفى الحقيقة تواجد واهتمام الدولة ليس قاصرًا على الاحتفال فقط، بل جهود الدولة لتنمية نقاط المسار ستأتى بعائد اقتصادى لبلدنا.
أما عن الفيلم »القدس الثانية« فكان بمجهود أبونا روفائيل المحرقى الذى قام بالإعداد وكتابة سيناريو الفيلم، والدير شجع المشروع وتم خروج العمل إلى النور فى هذا اليوم المبارك يوم تذكار دخول العائلة المقدسة أرض مصر..
نحن علينا دور لنظهر هذا اليوم العظيم ونذكر المجتمع من حولنا بهذه الرحلة الفريدة بقدوم العائلة المقدسة إلى أرض مصر.. فهذا مصدر فخر لنا جميعًا كمصريين.
وعن الفيلم وضح نيافته أن الفيلم وثق رحلة قدوم العائلة المقدسة لمنطقة دير المحرق وسلط الضوء على تاريخ الدير وكذلك ذكر الأربعة بطاركة الذين كانوا ينتمون لهذا الدير، وبعض رؤساء دير المحرق منهم الأنبا أبرآم والقديس أبونا ميخائيل البحيرى والآباء السواح..
وأوضح نيافة الأنبا بيجول أن لدير المحرق طقوسًا دينية خاصة به، منها الصلاة فى الكنيسة الأثرية والتى شيدت فى نفس مكان البيت الذى عاش فيه السيد المسيح ودشن مذبحه هناك، وتكون الصلاة فيها باللغة القبطية وتقديم الذبيحة فيه لا ينقطع، أى يقام فيه كل يوم قداس ماعدا الأيام الأربعة من أسبوع الآلام.
وفى أثناء عيد الصليب نقوم بعمل زفة فى الدير كله ونقف عند محطات معينة بالدير لنقرأ الأناجيل. وكذلك يوم عيد دخول السيد المسيح أرض مصر يكون لنا طقوس خاصة فى الصلاة، ولدينا احتفال خاص يوم عيد تكريس الكنيسة الأثرية يوم 6 هاتور، نصلى فيه بالنغم الفرايحى.
وقدم دير المحرق ألحانًا للكنيسة من المخطوطات التى كانت لديه مثل توزيع برامون عيد الميلاد -مديح استرماجى، وبدأ ينتشر فى أغلب الكنائس.
المذبح الحجرى وجسد يوسى من القرن الأول
وفى تصريح حول اكتشاف جسد القديس يوسى، بحسب ما ورد فى الفيلم، روى لنا الأب الراهب روفائيل المحرقى، التقليد يقول إن هيرودس أرسل 10 جنود للبحث عن الطفل يسوع فى أرض مصر، وعندما علم القديس يوسى أحد أقارب يوسف النجار من سبط يهوذا، ذهب بحثا عن العائلة المقدسة فى مصر وأرشده ملاك الله بطريقة معجزية عن مكانهم، وأنبأهم أن هيرودس أرسل الجنود خلفهم، لكن السيد المسيح طمأنهم.. وهنا انتهت مهمة يوسى وكانت إرادة الله أنه يتنيح فى هذا المكان، فدفنه القديس يوسف النجار عند عتبة البيت والتى اقيم عليها الكنيسة الأثرية بعدها.. وبالفعل عثر على عظام قديمة جدًا مدفونة فى فلق من النخل ومتكفنة بشكل معين وقت ترميم الكنيسة الأثرية عام 2000 وبالدراسة تم التأكد أن تلك العظام للقديس يوسى.. وتم حفظ العظام فى مقبرة رؤساء الدير أسفل كنيسة مارجرجس بالدير.
أما عن المذبح الحجرى الأثرى الذى دشنه السيد المسيح بنفسه، أوضح الأب الراهب روفائيل المحرقى أنه بالفعل السيد المسيح جاء على سحابة مع العذراء مريم والتلاميذ بعد قيامته من الأموات ودشن المذبح بنفسه، ليكون المذبح الوحيد فى العالم الذى دشنه المسيح بيديه، ولكن فى حدود القرن التاسع كانوا يحتاجون لعمل تسوية للمذبح وذلك لتسهيل عملية تقدمة الأسرار المقدسة، فتم إضافة رخامة للمذبح محفور عليها باللغة اليونانية »اذكر الرب عبدك قلتس فى ملكوت السموات«.
التوثيق الفنى
وعن دور الفن فى التوثيق، أكد الأب الراهب روفائيل أن الفن والصورة هى توثيق ذاكرة التاريخ، فالوثيقة المرئية فى هذا العصر أهم من أى وثيقة وتعيش لأجيال متعددة.
إن طريقة العرض البصرى تتطور مع مرور الزمن، وبالنسبة للأعمال التوثيقية أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا ومهارات التصوير هى ما يعرف بالديكودراما، وهى أسلوب تصوير لتخيل كيف كان الوضع وقت زيارة العائلة المقدسة للمكان، وبالتالى يعيش الناس الحدث من خلال العرض الوثائقى.. وهذا الأسلوب فى العرض استخدم أول مرة فى فيلم »القدس الثانية« على مستوى الأفلام الكنسية.
والهدف من هذا الفيلم أن يتم من خلاله الترويج لتراث مصر فى كل العالم وجذب السياحة للتمتع بهذا التراث الروحى الفريد..