تواصل الكنيسة الأرثوذكسية أداء الصلوات والطقوس وسط أجواء روحانية خاصة، يعيش خلالها الأقباط أيام "البصخة المقدسة" متأملين أحداث حياة المسيح الأخيرة.
وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اليوم، بـ"أربعاء البصخة" والمعروف بـ"أربعاء أيوب"، بالتزامن مع احتفالات الكنيسة بـ"أسبوع الآلام"، والذي بدأته الأحد الماضي، ويستمر حتى الجمعة الحزينة والمعروفة بالجمعة العظيمة.
قال الدكتور ماجد عزت إسرائيل، المتحدث الإعلامي لإيبارشية شمال ألمانيا: إن فهم رسالة السيد المسيح لا يمكن أن يكون بعيدًا عن سياق المجتمع اليهودي في فلسطين خلال الحكم الروماني، حيث كان مجتمعًا معقدًا مليئًا بالتوترات الدينية والانقسامات الاجتماعية والخضوع السياسي، وأضاف: "لفهم طبيعة التفاعلات وردود الفعل تجاه المسيح، علينا أن ندرس التيارات والجماعات المختلفة التي كانت تؤثر على الحياة العامة في ذلك الوقت".
وتابع عزت: "كان الفريسيون أبرز التيارات الشعبية الدينية، تمسكوا بالشريعة والتقاليد الشفوية وآمنوا بالقيامة، إلا أن بعض ممارساتهم تعرضت لانتقاد المسيح بسبب الرياء والتشدد الشكلي، بينما الصدوقيون مثلوا النخبة الكهنوتية المرتبطة بالهيكل، أنكروا القيامة ورفضوا التقاليد الشفوية ومالوا إلى المحافظة السياسية والتعاون مع الرومان، وارتبط الكتبة بتفسير الناموس وتعليمه وحملوا سلطة النص والمعرفة، إلا أن النقد وُجه إليهم أحيانًا لانفصال المعرفة عن جوهر الحق والرحمة".
وأضاف: "رؤساء الكهنة مثلوا القيادة الدينية الرسمية، جمعوا بين النفوذ الديني والسياسي وكانوا من أبرز القوى التي دخلت في صدام مباشر مع المسيح، أما الهيرودسيون فكانوا تيارًا سياسيًا مرتبطًا بالحكم الهيرودي وظهر دورهم في محاولات اصطياد المسيح بكلمة في القضايا الحساسة سياسيًا مثل مسألة الجزية لقيصر، بينما السامريون شكلوا جماعة دينية منفصلة نسبيًا عن اليهودية التقليدية وارتبطت عبادتهم بجبل جرزيم مما عمّق العداوة بينهم وبين اليهود كما يظهر في قصة المرأة السامرية عند البئر".
وتابع: "الغيورون كانوا تيارًا ثوريًا جمع بين الحمية الدينية والنزعة القومية ورأوا أن الخلاص يمر عبر مقاومة الحكم الروماني، أما الأسينيون فمثلوا جماعة روحانية نسكية عاشت في عزلة نسبية وارتبطت بالزهد والطهارة الصارمة والحياة المشتركة، وكل هذه التيارات معًا تكشف عن مجتمع شديد التعقيد تتداخل فيه العقيدة بالمصلحة والدين بالسياسة، وتختلف فيه الرؤى حول معنى الخلاص وانتظار المسيح".
وختم حديثه قائلًا: "في هذا السياق ظهرت رسالة المسيح، فقبلها البعض بالإيمان بينما رفضها آخرون دفاعًا عن النفوذ أو التقاليد أو التصورات المسبقة، ولذلك دراسة هذه الجماعات تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة المجتمع اليهودي زمن المسيح وفهم ردود الفعل المختلفة تجاه شخصه وتعليمه، وما زالت هذه الدراسة تفتح أمامنا نافذة لفهم الصراع بين الحق والخيانة، والمحبة والسلطة في قلب المجتمع اليهودي آنذاك".