{ مسيرة زاخرة لأسقف النهضة القبطية فى السودان الذى أسس الكنائس وبنى المدارس
{ شاهد على بساطته: حين ظن حاكم السودان أنه عامل فكان المطران الذى يبنى ويخدم بيديه
{ الأنبا صرابامون يواجه الضغوط البريطانية ومحاولات تغيير هوية الكنيسة القبطية فى السودان
{ المطران يدفع ثمن حمايته للكنيسة.. والحاكم البريطانى يمنعه من العودة إلى السودان حتى نياحته بالقاهرة
{ مطران أم درمان الحالى: فرحنا بالاعتراف بقدسية المطران المتنيح وسنبنى كنيسة باسمه قريبًا فى السودان
النشأة بمدينة إسنا
ولد هذا الأنبا صرابامون فى عيد الميلاد المجيد، وتحديدًا فى يوم 29 كيهك سنة 1576 للشهداء، الموافق 7 يناير سنة 1860 ميلادية، فى بلدة العضايمة بمدينة إسنا العريقة المعروفة بـ »مدينة الشهداء«، وتسمى باسم »يوحنا«، وتربى فى بيئة ريفية بسيطة اتسمت بالإيمان والتقوى. ومنذ سنواته الأولى أظهر ميلاً واضحًا للحياة الروحية والتأمل فى سير القديسين والرهبان.
وقد أوردت مجلة »المنارة المرقسية« لعام 1931 ميلادية، والتى كان يصدرها القمص سرجيوس فى السودان، التقرير السنوى للأنبا صرابامون بأسلوبه البسيط والعميق، وجاء تحت عنوان: »الحق لا يعلو عليه ويدوس الكذب تحت رجليه«، حيث قال فيه نيافته: »ولدت فى إسنا وجيت للرهبنة وحقيقة محبتى للرهبنة كنت أقرأ سيرة الراهب يوحنا الرومى صاحب الإنجيل الذهبى، وقد ترك مملكة أبيه وتبع قول الإنجيل، وكان عندى مرض شديد ونذرت إذا قمت طيبًا من مرضى أذهب للرهبنة وفعلاً السيد المسيح شفانى، ففى الحال خرجت من بيت أبى إلى دير العذراء السريان بوادى النطرون فى 1593 للشهداء ٧٧٨١م قاصدًا خلاص نفسى وكنت فى عمر السبعة عشر عامًا.
الرهبنة وتعمير الدير
ترهب الشاب هناك فى سبت النور من عام 1878م باسم »الراهب يوحنا الإسناوى«، وذلك فى فترة رئاسة القمص يوحنا بشارة رئيس الدير، وتميز خلال سنوات رهبنته الأولى بالجدية والنسك والطاعة، الأمر الذى لفت أنظار رؤسائه وإخوته الرهبان. فكان مثالاً للرهبان فى الاجتهاد والعمل اليدوى والحياة الروحية العميقة، ثم سيم قسًا فى سبت النور عام 1886 م، ثم رقى إلى رتبة القمصية فى عام 1887 م بوضع يد المتنيح الأنبا بطرس أسقف منفلوط، وتولى بعد ذلك وظيفة وكيل الدير.
وفى سنة 1889 م، عينه قداسة البابا المتنيح كيرلس الخامس رئيسًا لدير السيدة العذراء السريان بوادى النطرون، فكان نموذجًا حيًا للرهبنة الحقيقية والبذل فى خدمة إخوته الرهبان، وقد ذكره يوسف بك منقريوس فى كتابه »تاريخ الأمة القبطية«، موضحًا أن القمص حنا الإسناوى قاد حركة تعمير واسعة فى الدير، حيث قام ببناء قلال جديدة للرهبان، وشيد قصرًا لاستقبال الزائرين، وجدد عزبة الدير الكائنة بقرية أتريس بمركز إمبابة فى محافظة الجيزة.
كما شيد خمسة بيوت بشارع كلوت بك بالقاهرة، واشترى عشرة أفدنة من الأراضى الزراعية، مما أدى إلى زيادة إيرادات دير السريان في عهده لتصل إلى مائة وعشرين جنيهًا فى الشهر، وهو مبلغ كبير جدًا وله قيمته فى ذلك العصر. وإلى جانب التعمير المادى، كان الرهبان فى عهده يعيشون نموًا روحيًا كبيرًا نظرًا لتوفيره كل احتياجاتهم، فأجمع الكل على محبته والثناء عليه والتمسك بالبقاء معه لفضائله الكثيرة وحسن تدبيره.
هجرة قبطية واضطهاد بالعصر المهدى
مع بدايات القرن التاسع عشر شهد السودان موجة جديدة من الهجرة القبطية القادمة من مصر، حيث استقر العديد من الأقباط فى المدن السودانية الكبرى، وبرزوا فى مجالات التجارة والحرف والإدارة والتعليم. وقد ساعدت الظروف السياسية فى تلك الفترة على استقبالهم بصورة اتسمت بقدر من التسامح والاستقرار، الأمر الذى أسهم فى نمو الجالية القبطية وتوسع نشاطها الاقتصادى والاجتماعى، إلا أن هذا الوضع تغير بصورة جذرية مع اندلاع الثورة المهدية عام 1881م وقيام الدولة المهدية التى حكمت السودان حتى عام 1898م. وخلال تلك الفترة تعرض الأقباط وغيرهم من المسيحيين لظروف شديدة الصعوبة، إذ واجهوا ضغوطًا دينية واجتماعية كبيرة، واضطر عدد منهم إلى مغادرة السودان، بينما تعرض آخرون لإكراهات دفعت بعضهم إلى اعتناق الإسلام قسرًا حفاظًا على حياتهم أو ممتلكاتهم.
السيامة أسقفًا للخرطوم وبلاد النوبة
وخلال هذه الفترة كان قداسة البابا كيرلس الخامس قد حدد يوم الأحد الموافق 12 يوليو 1897م لسيامة المتنيح القمص عبد المسيح الأنبا بيشوى أسقفًا لأسيوط، والقمص مرقس الأنبا بولا أسقفًا للخرطوم وبلاد النوبة، ولكن فى صباح يوم السيامة، حدث أمر غير متوقع، إذ اعتذر القمص مرقس الأنبا بولا عن قبول الأسقفية وهرب، وذلك لأن شقيقه القمص بطرس (وكيل دير السريان) كان قد حذره من صعوبة الأوضاع فى السودان فى فترة حكم المهدى.
حينها، أرسل البابا كيرلس الخامس تلميذه عبد المسيح ليأتى إليه بأى راهب متواجد فى مقر »العزباوية« بشارع كلوت بك (مقر دير السريان بمصر). وفى الحال، وجد التلميذ هناك القمص يوحنا الإسناوى رئيس الدير نفسه، فذهب معه إلى البابا وعرض عليه الأمر، فوافق القمص يوحنا وامتثل للتدبير الإلهى واختيار السماء.
وبناء على ذلك، سيم أسقفًا للخرطوم والنوبة باسم الأنبا صرابامون، واشترك فى السيامة مع القمص عبد المسيح الأنبا بيشوى الذى سيم أسقفًا لأسيوط باسم الأنبا مكاريوس والذى اختير فيما بعد بطريركًا للكرازة المرقسية باسم البابا مكاريوس الثالث.
العمل الرعوى والتعليمى
والتعميرى فى السودان
قبل وصول الأنبا صرابامون لكرسيه، كانت غالبية الأقباط قد غادرت السودان أثناء حكم المهدى، أما القلة القليلة التى بقيت فقد تعرضت لضغوط شديدة لترك دينهم، وبعد زوال تلك الفترة عاد بعضهم للمسيحية ولم يعد البعض الآخر، ومن هنا جاءت تسمية »حى المسالمة« الشهير فى أمدرمان. وبعد فتح السودان عام 1899 ميلادية، عاد الأقباط مجددًا وبكثافة، ولم تمض سنتان حتى اشتروا قطعة أرض واسعة شمال أمدرمان وبنوا فيها مساكنهم وعرفت بـ »حارة النصارى« وباشروا أعمالهم بنجاح. وقد تميزت حبرية الأنبا صرابامون بإنجازات تاريخية منها:
أولاً:- تأسيس الكنائس
وصل نيافته إلى الخرطوم بعد سنة من رسامته، وبدأ بتأسيس أول كنيسة قبطية التى أصبحت لاحقًا موقع الكلية القبطية الحالية المجاورة لكنيسة السيدة العذراء، حيث كان المربع السكنى كاملاً ملكًا للكنيسة بهبة من الحكومة.
وقام بناء كنيسة العذراء بالخرطوم (المطرانية فى عام 1904 م)، ووضع حجر الأساس لها قداسة البابا كيرلس الخامس خلال زيارته الأولى للسودان، كما أرسل البابا مهندسًا من البطريركية للإشراف على البناء يدعى المهندس »حمزة«، حيث أرسل البابا خطابًا للأنبا صرابامون يقول فيه: »مرسل لكم المهندس حمزة بمرتب شهرى ستمائة قرش مع مراعاة برسيم الحمار (وسيلة مواصلاته)«، علمًا بأن الجنيه الذهب كان يعادل وقتها 97.5 قرش. وقد ساهم البابا كيرلس بجزء من التكاليف، كما ساهم بجزء كبير جدًا الوجيه إبراهيم بك خليل (أحد أعيان السودان ووالد المتنيح نيافة الأنبا دانيال مطران الخرطوم اللاحق)، وتم تدشين الكنيسة فى الزيارة الثانية للبابا كيرلس الخامس للسودان فى 14 فبراير 1909 م، وكان يرافقه القديس الأرشيدياكون حبيب جرجس مدير الكلية الإكليريكية وكبار الشخصيات، وفى هذه الزيارة تمت ترقية الأنبا صرابامون إلى رتبة »مطران«.
وبدأ نيافة المطران التوسع فى بناء الكنائس ففى عام 1912 م، بنى كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالخرطوم بحرى، وكنيسة السيدة العذراء بأم درمان. وفى عام 1914 م شيد كنيسة السيدة العذراء بمدينة عطبرة. وفى عام 1915 م بنى كنيسة مارجرجس بمدينة الأبيض، بالإضافة إلى كنائس الدامر وبور سودان.
كما سام العديد من الكهنة لإدارة العمل الرعوى، ومنهم المتنيح القمص مرقس إفرام، والمتنيح القمص جرجس جوده، والمتنيح القمص يوسف سليمان، والمتنيح القمص ديمترى، والذين ما زال أبناؤهم وأحفادهم يعيشون فى السودان.
ثانيًا:- دعم التعليم وبذل الذات
فى عام 1898 م، افتتح الأنبا صرابامون أول مدرسة روضة فى حجرة مجاورة للكنيسة، وعندما تعثرت أحوالها المالية واجه العجز ببيع حماره الخاص (الذى كان وسيلة مواصلاته الوحيدة وقتها) بمبلغ سبعة جنيهات ليسدد مرتبات المدرسين، وكان ناظر المدرسة حينها المتنيح حبيب سلامة.
كما قام تأسيس الكليات القبطية: ففى عام 1919 م بنى الكلية القبطية بنين بالخرطوم (ابتدائى)، وكان أول ناظر لها المتنيح نسيم سمعان، وفى عام 1924 م شيد الكلية القبطية بنات، وكانت أول ناظرة لها مدام نور، وقد اهتم بالتعليم اهتمامًا فائقًا فكان مستوى المدارس رفيعًا وأساتذتها من العلماء، وخدمت المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وتخرجت فيها شخصيات بارزة فى المجتمع السودانى، ووكان مستوى التعليم فيها مرتفعًا بفضل اختيار نخبة من المعلمين والعلماء للعمل بها.
لقد آمن الأنبا صرابامون بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الكنائس، ولذلك ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بنهضة التعليم القبطى فى السودان.
وكان الأنبا صرابامون يجمع التبرعات لهذه المشروعات الضخمة من كل ربوع مصر، فئة المليم فما فوق، وكان يقول للناس ببساطته المعهودة: »أعطونى ثمن فرخة لأجل الكنائس والمدارس« (وكان ثمن الفرخة عدة قروش حينها)، تعبيرًا منه عن أن الرب يقبل أقل عطاء.
بساطته الروحية ومعاصرته للقديسين
تميز الأنبا صرابامون بحياة روحية عميقة اتسمت بالبساطة والنقاوة والارتباط الدائم بالله. وقد حفظت الذاكرة الكنسية العديد من الشهادات التى تعكس عمق حياته الروحية وسمو علاقته بالسماء، حتى إن الذين كانوا يزورونه فى قلايته بمطرانية الخرطوم كانوا يسمعونه أحيانًا يتحدث كما لو كان فى حوار مباشر مع السيدة العذراء مريم ورئيسى الملائكة ميخائيل وغبريال، إضافة إلى عدد من القديسين. وقد اعتبر معاصروه أن هذه الخبرات الروحية تعبير عن حياة الصلاة المستمرة التى عاشها وعن شركة روحية عميقة مع الكنيسة المنتصرة.
وعاصر الأنبا صرابامون عددًا من كبار رجال الله الذين تركوا أثرًا واضحًا فى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وفى مقدمتهم المتنيح الأنبا أبرآم أسقف الفيوم والجيزة، المعروف بلقب »أب الفقراء« ، والذى تنيح سنة 1914م. كما عاصر القمص ميخائيل البحيرى تلميذ الأنبا أبرآم، والقمص عبد المسيح الصليبى المسعودى، وغيرهم من الشخصيات الروحية البارزة التى شهدت الكنيسة بقداستها وتقواها.وقد انعكست هذه الحياة الروحية العميقة على شخصيته وسلوكه اليومى، فاشتهر بالتواضع الشديد والبساطة فى المعيشة، وظل محتفظًا بروح الراهب الناسك رغم المسئوليات الكبيرة التى حملها كأسقف ثم مطران على السودان.
ومن أشهر المواقف التى تكشف عن تواضعه ما حدث عندما قرر الحاكم العام للسودان زيارته دون موعد مسبق أثناء فترة بناء دار المطرانية. وعندما وصل إلى الموقع فوجئ برجل يرتدى ملابس بسيطة للغاية ويشارك العمال بنفسه فى حمل أدوات البناء والعمل بينهم. وبعد قليل استقبله الأنبا صرابامون رسميًا، فظن الحاكم أن الرجل الذى كان يعمل وسط العمال هو أحد أقارب المطران، فسأله: »هل العامل الذى كان يحمل أدوات البناء شقيق المطران؟«. فابتسم الأنبا صرابامون وأجابه: »أنا هو. فأنا راهب، والراهب ينبغى أن يعمل بيديه ليذلل الجسد ويعيش فى الفضيلة«. وقد ترك هذا الموقف أثرًا عميقًا فى نفس الحاكم الذى أبدى إعجابه الشديد بهذا التواضع، وقدم تبرعًا كبيرًا للمطرانية طالبًا صلوات المطران وبركته.
ويروى عن زيارته الأسبوعية لحديقة النزهة، حيث كان يقف أمام قفص الأسد ويناديه بلطف: »تعال يا أسد«، فيقترب الحيوان منه بهدوء، فيمد المطران يده ليربت عليه فى حنان، ثم يأمره بالعودة إلى مكانه فيستجيب. كما عرف بموهبة الصلاة من أجل المرضى وإخراج الأرواح الشريرة، ونسبت إليه معجزات عديدة، من بينها شفاء امرأة من حمى شديدة، وإخراج أرواح شريرة من أحد المنازل، وشفاء رجل أصيب بألم شديد بعد سرقته مبلغًا ماليًا من المطرانية.
وهكذا جمعت شخصية الأنبا صرابامون بين عمق الحياة الروحية، والتواضع العملى، والمحبة الصادقة للناس، وهى صفات جعلته يحتل مكانة خاصة فى قلوب أبناء الكنيسة فى مصر والسودان
مواقف وطنية واستبعاده من السودان
خلال سنوات خدمته بالسودان، عاصر الأنبا صرابامون مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، اتسمت بتغيرات سياسية وإدارية كبيرة فى ظل الحكم الثنائى الإنجليزى المصرى. وفى تلك الظروف برزت شخصيته كراع أمين حافظ على وحدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وارتباطها التاريخى بالكرسى المرقسى فى الإسكندرية.
كما خدم معه فى السودان عدد من الشخصيات الكنسية البارزة، ومن بينهم القمص سرجيوس الذى عمل بالخرطوم خلال الفترة من عام 1910م إلى عام 1915م، وعرف ببلاغته وفصاحته كواعظ وكاتب وصحفى، حيث أصدر مجلة»المنارة المرقسية« التى وثقت كثيرًا من أحداث الكنيسة فى تلك الحقبة وكتب الكثير عن فضائل وبساطة الأنبا صرابامون. وفي عام 1918م، اختار الأنبا صرابامون القمص يوحنا سلامة (وكان لاهوتيًا بارعًا وواعظًا بليغًا) ليكون وكيلاً للمطرانية بالسودان.
وخلال تلك الفترة ظهرت محاولات مختلفة للتأثير على الهوية الكنسية للأقباط في السودان وإضعاف ارتباطهم بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى مصر. إلا أن الأنبا صرابامون ظل متمسكًا بالإيمان الأرثوذكسى الذى تسلمته الكنيسة من الآباء والرسل، ومدافعًا عن وحدة الكنيسة وارتباطها بالكرسى المرقسى.
وينقل القمص ميخائيل القمص داود مرقس (كاهن كنيسة العذراء مريم بروض الفرج) نقلاً عن والده المتنيح القمص داود مرقس الذى عاصر تلك الحقبة فى السودان، أن الإنجليز أرادوا فصل السودان عن مصر وفصل الكنيسة القبطية فى السودان عن أمها فى مصر، فبدأوا بمحاولة إدماج بعض الأقباط فى السودان داخل الكنيسة الأسقفية الإنجليزية بقيادة الأسقف الإنجليزى »جوين«. ودعا الأسقف جوين الأقباط فى الخرطوم وأم درمان لاجتماع لبحث ما سمى »وحدة الكنيسة فى السودان ثم العالم« تحت شعار »رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة«. وكان من بين الحاضرين الأنبا صرابامون ومعه القمص داود مرقس.
بدأ الأسقف جوين حديثه بالتركيز على المحبة والوحدة مدعيًا أنه لا فرق بين الكنيسة الأسقفية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ثم طلب رأى المطران الأنبا صرابامون، فالتفت نيافته وقال: »ما رأيك يا أبونا داود«، فأجاب القمص داود بقوة: »هذا الكلام ليس صحيحًا، فالكنيسة الأسقفية ليست مثل الكنيسة القبطية التى تسلمت إيمانها من الرسل، فهى كنيسة رسولية لها أسرارها السبعة المقدسة وكهنوتها الذى تسلمناه من مارمرقس الرسول كاروزها. أما الكنيسة الأسقفية فهى كنيسة أنشأها الملك هنرى الثامن بعد انفصاله عن كنيسة روما الكاثوليكية. وإذا أردت يا جناب الأسقف الانضمام للكنيسة القبطية، فاذهب إلى القاهرة وقدم خضوعًا لقداسة البابا كيرلس الخامس الجالس على كرسى مارمرقس، وبعد نوالك أسرار المعمودية والميرون والاعتراف والتناول من الأسرار المقدسة، تكون الوحدة مع الكنيسة القبطية”. ولما وجد الأسقف الإنجليزى أن المطران الأنبا صرابامون يوافق على هذا الرأى، أنهى الاجتماع فورًا.
وخلال هذه الفترة حاول الإنجليز زيادة الانقسام داخل الكنيسة القبطية، وطلب الحاكم الإنجليزى من الحكومة المصرية ترحيل المطران والقمص داود إلى القاهرة لتخفيف حدة المعارضة القبطية. كما دعا قداسة البابا كيرلس الخامس كلاً من الأنبا صرابامون والقمص يوحنا سلامة إلى القاهرة لبحث أوضاع الكنيسة بالسودان. وعند بدء عودتهما إلى الخرطوم، وعند وصولهما إلى مدينة »وادى حلفا« على الحدود المصرية السودانية، منعت الحكومة الإنجليزية بالسودان بالقوة دخول المطران وأمرت بعودته إلى القاهرة.
البقاء بالقاهرة حتى النياحة
بعدها تنيح البابا كيرلس الخامس فى 7 أغسطس 1927 م، وظل الأنبا صرابامون مستقرًا فى مصر بعيدًا عن كرسيه قسرًا بأمر الحاكم الإنجليزى ، إلى أن تنيح بسلام فى 18 يوليو 1935 م بشيبة صالحة فى القصر البطريركى بحلوان، عن عمر يناهز 75 عامًا، ودفن جسده الطاهر بكنيسة الشهيد العظيم أبى سيفين بمصر القديمة أسفل المذبح.
الاستعداد لبناء كنيسة باسمه
بعد نياحة الأنبا صرابامون، شغر كرسى السودان لمدة 12 سنة كاملة، حتى ارتقى السدة المرقسية قداسة البابا الأنبا يوساب الثانى البطريرك الـ115، والذى قرر تقسيم السودان إلى إيبارشيتين نظرًا لاتساع المساحة، ففى 29 يونية 1947م سام: المتنيح الأنبا يوأنس أسقفًا للخرطوم والجنوب، والمتنيح الأنبا باخوميوس أسقفًا لأم درمان وشمال السودان.
وقد سيم بعد المتنيح الأنبا باخوميوس المتنيح الأنبا إسطفانوس، ثم سيم المتنيح الأنبا دانيال مطرانًا للخرطوم والجنوب منذ عام 1968م. وفى عهد مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث، تمت سيامة نيافة الأنبا إيليا الحالى (أسقفًا للخرطوم وجنوب السودان حاليًا)، كما سيم نيافة الأنبا صرابامون الحالى أسقفًا لأم درمان وعطبرة وشمال السودان فى 14 نوفمبر 1993م.
وعبر نيافة الأنبا صرابامون مطران أم درمان وعطبرة عن سعادته بالاعتراف بقدسية الأنبا صرابامون المتنيح، الذى ساهم فى نهضة كنسية وتعليمية بالسودان، وما زالت ثمرته ممتدة فى الخدمة والعطاء، وقرر نيافته تأسيس أول كنيسة للقديس المتنيح فى أم درمان قريبًا بعد الاستقرار على موقعها.
مع إعلان المجمع المقدس الاعتراف الرسمى بقداسته، تعود سيرته اليوم لتؤكد كيف استطاع هذا الأب الناسك أن يجمع بين الصلاة والعمل، وبين القداسة والبساطة، وأن يترك أثرًا ممتدًا عبر الأجيال داخل الكنيسة القبطية فى مصر والسودان.