بعد الاعتراف بقدسيته‮:‬ نهضة تعليمية وعمرانية صنعها الأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان وبلاد النوبة
15.06.2026 05:12
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
وطنى
بعد الاعتراف بقدسيته‮:‬ نهضة تعليمية وعمرانية صنعها الأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان وبلاد النوبة
Font Size
وطنى

‮{ ‬مسيرة زاخرة لأسقف النهضة القبطية فى السودان الذى أسس الكنائس وبنى المدارس
‮{ ‬شاهد على بساطته‮: ‬حين ظن حاكم السودان أنه عامل فكان المطران الذى‮ ‬يبنى ويخدم بيديه
‮{ ‬الأنبا صرابامون‮ ‬يواجه الضغوط البريطانية ومحاولات تغيير هوية الكنيسة القبطية فى السودان
‮{ ‬المطران‮ ‬يدفع ثمن حمايته للكنيسة‮.. ‬والحاكم البريطانى‮ ‬يمنعه من العودة إلى السودان حتى نياحته بالقاهرة
‮{ ‬مطران أم درمان الحالى‮: ‬فرحنا بالاعتراف بقدسية المطران المتنيح وسنبنى كنيسة باسمه قريبًا فى السودان

النشأة‮ ‬بمدينة إسنا
ولد هذا الأنبا صرابامون فى عيد الميلاد المجيد،‮ ‬وتحديدًا فى‮ ‬يوم‮ ‬29‮ ‬كيهك سنة‮ ‬1576‮ ‬للشهداء،‮ ‬الموافق‮ ‬7‮ ‬يناير سنة‮ ‬1860‮ ‬ميلادية،‮ ‬فى بلدة العضايمة بمدينة إسنا العريقة المعروفة بـ‮ »‬مدينة الشهداء‮«‬،‮ ‬وتسمى باسم‮ »‬يوحنا‮«‬،‮ ‬وتربى فى بيئة ريفية بسيطة اتسمت بالإيمان والتقوى‮. ‬ومنذ سنواته الأولى أظهر ميلاً‮ ‬واضحًا للحياة الروحية والتأمل فى سير القديسين والرهبان‮.‬
وقد أوردت مجلة‮ »‬المنارة المرقسية‮« ‬لعام‮ ‬1931‮ ‬ميلادية،‮ ‬والتى كان‮ ‬يصدرها القمص سرجيوس فى السودان،‮ ‬التقرير السنوى للأنبا صرابامون بأسلوبه البسيط والعميق،‮ ‬وجاء تحت عنوان‮: »‬الحق لا‮ ‬يعلو عليه ويدوس الكذب تحت رجليه‮«‬،‮ ‬حيث قال فيه نيافته‮: »‬ولدت فى إسنا وجيت للرهبنة وحقيقة محبتى للرهبنة كنت أقرأ سيرة الراهب‮ ‬يوحنا الرومى صاحب الإنجيل الذهبى،‮ ‬وقد ترك مملكة أبيه وتبع قول الإنجيل،‮ ‬وكان عندى مرض شديد ونذرت إذا قمت طيبًا من مرضى أذهب للرهبنة وفعلاً‮ ‬السيد المسيح شفانى،‮ ‬ففى الحال خرجت من بيت أبى إلى دير العذراء السريان بوادى النطرون فى‮ ‬1593‮ ‬للشهداء ‮٧٧٨١‬م قاصدًا خلاص نفسى وكنت فى عمر السبعة عشر عامًا‮.‬
الرهبنة وتعمير الدير
ترهب‮ ‬الشاب هناك فى سبت النور من عام‮ ‬1878م باسم‮ »‬الراهب‮ ‬يوحنا الإسناوى‮«‬،‮ ‬وذلك فى فترة رئاسة القمص‮ ‬يوحنا بشارة رئيس الدير،‮ ‬وتميز خلال سنوات رهبنته الأولى بالجدية والنسك والطاعة،‮ ‬الأمر الذى لفت أنظار رؤسائه وإخوته الرهبان‮. ‬فكان مثالاً‮ ‬للرهبان فى الاجتهاد والعمل اليدوى والحياة الروحية العميقة،‮ ‬ثم سيم قسًا فى سبت النور عام‮ ‬1886‮ ‬م،‮ ‬ثم رقى إلى رتبة القمصية فى عام‮ ‬1887‮ ‬م بوضع‮ ‬يد المتنيح الأنبا بطرس أسقف منفلوط،‮ ‬وتولى بعد ذلك وظيفة وكيل الدير‮.‬
وفى سنة‮ ‬1889‮ ‬م،‮ ‬عينه قداسة البابا المتنيح كيرلس الخامس رئيسًا لدير السيدة العذراء السريان بوادى النطرون،‮ ‬فكان نموذجًا حيًا للرهبنة الحقيقية والبذل فى خدمة إخوته الرهبان،‮ ‬وقد ذكره‮ ‬يوسف بك منقريوس فى كتابه‮ »‬تاريخ الأمة القبطية‮«‬،‮ ‬موضحًا أن القمص حنا الإسناوى قاد حركة تعمير واسعة فى الدير،‮ ‬حيث قام ببناء قلال جديدة للرهبان،‮ ‬وشيد قصرًا لاستقبال الزائرين،‮ ‬وجدد عزبة الدير الكائنة بقرية أتريس بمركز إمبابة فى محافظة الجيزة‮.‬
‮ ‬كما شيد خمسة بيوت بشارع كلوت بك بالقاهرة،‮ ‬واشترى عشرة أفدنة من الأراضى الزراعية،‮ ‬مما أدى إلى زيادة إيرادات دير السريان في‮ ‬عهده لتصل إلى مائة وعشرين جنيهًا فى الشهر،‮ ‬وهو مبلغ‮ ‬كبير جدًا وله قيمته فى ذلك العصر‮. ‬وإلى جانب التعمير المادى،‮ ‬كان الرهبان فى عهده‮ ‬يعيشون نموًا روحيًا كبيرًا نظرًا لتوفيره كل احتياجاتهم،‮ ‬فأجمع الكل على محبته والثناء عليه والتمسك بالبقاء معه لفضائله الكثيرة وحسن تدبيره‮.‬
هجرة قبطية واضطهاد بالعصر المهدى
مع بدايات القرن التاسع عشر شهد السودان موجة جديدة من الهجرة القبطية القادمة من مصر،‮ ‬حيث استقر العديد من الأقباط فى المدن السودانية الكبرى،‮ ‬وبرزوا فى مجالات التجارة والحرف والإدارة والتعليم‮. ‬وقد ساعدت الظروف السياسية فى تلك الفترة على استقبالهم بصورة اتسمت بقدر من التسامح والاستقرار،‮ ‬الأمر الذى أسهم فى نمو الجالية القبطية وتوسع نشاطها الاقتصادى والاجتماعى،‮ ‬إلا أن هذا الوضع تغير بصورة جذرية مع اندلاع الثورة المهدية عام‮ ‬1881م وقيام الدولة المهدية التى حكمت السودان حتى عام‮ ‬1898م‮. ‬وخلال تلك الفترة تعرض الأقباط وغيرهم من المسيحيين لظروف شديدة الصعوبة،‮ ‬إذ واجهوا ضغوطًا دينية واجتماعية كبيرة،‮ ‬واضطر عدد منهم إلى مغادرة السودان،‮ ‬بينما تعرض آخرون لإكراهات دفعت بعضهم إلى اعتناق الإسلام قسرًا حفاظًا على حياتهم أو ممتلكاتهم‮.‬
السيامة أسقفًا للخرطوم وبلاد النوبة
وخلال هذه الفترة كان قداسة البابا كيرلس الخامس قد حدد‮ ‬يوم الأحد الموافق‮ ‬12‮ ‬يوليو‮ ‬1897م لسيامة المتنيح القمص عبد المسيح الأنبا بيشوى أسقفًا لأسيوط،‮ ‬والقمص مرقس الأنبا بولا أسقفًا للخرطوم وبلاد النوبة،‮ ‬ولكن فى صباح‮ ‬يوم السيامة،‮ ‬حدث أمر‮ ‬غير متوقع،‮ ‬إذ اعتذر القمص مرقس الأنبا بولا عن قبول الأسقفية وهرب،‮ ‬وذلك لأن شقيقه القمص بطرس‮ (‬وكيل دير السريان‮) ‬كان قد حذره من صعوبة الأوضاع فى السودان فى فترة حكم المهدى‮.‬
حينها،‮ ‬أرسل البابا كيرلس الخامس تلميذه عبد المسيح ليأتى إليه بأى راهب متواجد فى مقر‮ »‬العزباوية‮« ‬بشارع كلوت بك‮ (‬مقر دير السريان بمصر‮). ‬وفى الحال،‮ ‬وجد التلميذ هناك القمص‮ ‬يوحنا الإسناوى رئيس الدير نفسه،‮ ‬فذهب معه إلى البابا وعرض عليه الأمر،‮ ‬فوافق القمص‮ ‬يوحنا وامتثل للتدبير الإلهى واختيار السماء‮.‬
وبناء على ذلك،‮ ‬سيم أسقفًا للخرطوم والنوبة باسم الأنبا صرابامون،‮ ‬واشترك فى السيامة مع القمص عبد المسيح الأنبا بيشوى الذى سيم أسقفًا لأسيوط باسم الأنبا مكاريوس والذى اختير فيما بعد بطريركًا للكرازة المرقسية باسم البابا مكاريوس الثالث‮.‬
العمل الرعوى والتعليمى
‮ ‬والتعميرى فى السودان
قبل وصول الأنبا صرابامون لكرسيه،‮ ‬كانت‮ ‬غالبية الأقباط قد‮ ‬غادرت السودان أثناء حكم المهدى،‮ ‬أما القلة القليلة التى بقيت فقد تعرضت لضغوط شديدة لترك دينهم،‮ ‬وبعد زوال تلك الفترة عاد بعضهم للمسيحية ولم‮ ‬يعد البعض الآخر،‮ ‬ومن هنا جاءت تسمية‮ »‬حى المسالمة‮« ‬الشهير فى أمدرمان‮. ‬وبعد فتح السودان عام‮ ‬1899‮ ‬ميلادية،‮ ‬عاد الأقباط مجددًا وبكثافة،‮ ‬ولم تمض سنتان حتى اشتروا قطعة أرض واسعة شمال أمدرمان وبنوا فيها مساكنهم وعرفت بـ‮ »‬حارة النصارى‮« ‬وباشروا أعمالهم بنجاح‮. ‬وقد تميزت حبرية الأنبا صرابامون بإنجازات تاريخية منها‮:‬
أولاً‮:- ‬تأسيس الكنائس
وصل نيافته إلى الخرطوم بعد سنة من رسامته،‮ ‬وبدأ بتأسيس أول كنيسة قبطية التى أصبحت لاحقًا موقع الكلية القبطية الحالية المجاورة لكنيسة السيدة العذراء،‮ ‬حيث كان المربع السكنى كاملاً‮ ‬ملكًا للكنيسة بهبة من الحكومة‮.‬
وقام بناء كنيسة العذراء بالخرطوم‮ (‬المطرانية‮ ‬فى عام‮ ‬1904‮ ‬م‮)‬،‮ ‬ووضع حجر الأساس لها قداسة البابا كيرلس الخامس خلال زيارته الأولى للسودان،‮ ‬كما أرسل البابا مهندسًا من البطريركية للإشراف على البناء‮ ‬يدعى المهندس‮ »‬حمزة‮«‬،‮ ‬حيث أرسل البابا خطابًا للأنبا صرابامون‮ ‬يقول فيه‮: »‬مرسل لكم المهندس حمزة بمرتب شهرى ستمائة قرش مع مراعاة برسيم الحمار‮ (‬وسيلة مواصلاته‮)«‬،‮ ‬علمًا بأن الجنيه الذهب كان‮ ‬يعادل وقتها‮ ‬97‭.‬5‮ ‬قرش‮. ‬وقد ساهم البابا كيرلس بجزء من التكاليف،‮ ‬كما ساهم بجزء كبير جدًا الوجيه إبراهيم بك خليل‮ (‬أحد أعيان السودان ووالد المتنيح نيافة الأنبا دانيال مطران الخرطوم اللاحق‮)‬،‮ ‬وتم تدشين الكنيسة فى الزيارة الثانية للبابا كيرلس الخامس للسودان فى‮ ‬14‮ ‬فبراير‮ ‬1909‮ ‬م،‮ ‬وكان‮ ‬يرافقه القديس الأرشيدياكون حبيب جرجس مدير الكلية الإكليريكية وكبار الشخصيات،‮ ‬وفى هذه الزيارة تمت ترقية الأنبا صرابامون إلى رتبة‮ »‬مطران‮«.‬
وبدأ نيافة المطران التوسع فى بناء الكنائس ففى عام‮ ‬1912‮ ‬م،‮ ‬بنى كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالخرطوم بحرى،‮ ‬وكنيسة السيدة العذراء بأم درمان‮. ‬وفى عام‮ ‬1914‮ ‬م شيد كنيسة السيدة العذراء بمدينة عطبرة‮. ‬وفى عام‮ ‬1915‮ ‬م بنى كنيسة مارجرجس بمدينة الأبيض،‮ ‬بالإضافة إلى كنائس الدامر وبور سودان‮.‬
كما‮ ‬سام العديد من الكهنة لإدارة العمل الرعوى،‮ ‬ومنهم المتنيح القمص مرقس إفرام،‮ ‬والمتنيح القمص جرجس جوده،‮ ‬والمتنيح القمص‮ ‬يوسف سليمان،‮ ‬والمتنيح القمص ديمترى،‮ ‬والذين ما زال أبناؤهم وأحفادهم‮ ‬يعيشون فى السودان‮.‬
ثانيًا‮:- ‬دعم التعليم وبذل الذات‮ ‬
فى عام‮ ‬1898‮ ‬م،‮ ‬افتتح الأنبا صرابامون أول مدرسة روضة فى حجرة مجاورة للكنيسة،‮ ‬وعندما تعثرت أحوالها المالية واجه العجز ببيع حماره الخاص‮ (‬الذى كان وسيلة مواصلاته الوحيدة وقتها‮) ‬بمبلغ‮ ‬سبعة جنيهات ليسدد مرتبات المدرسين،‮ ‬وكان ناظر المدرسة حينها المتنيح حبيب سلامة‮.‬
كما قام تأسيس الكليات القبطية‮: ‬ففى عام‮ ‬1919‮ ‬م بنى الكلية القبطية بنين بالخرطوم‮ (‬ابتدائى‮)‬،‮ ‬وكان أول ناظر لها المتنيح نسيم سمعان،‮ ‬وفى عام‮ ‬1924‮ ‬م شيد الكلية القبطية بنات،‮ ‬وكانت أول ناظرة لها مدام نور،‮ ‬وقد اهتم بالتعليم اهتمامًا فائقًا فكان مستوى المدارس رفيعًا وأساتذتها من العلماء،‮ ‬وخدمت المسلمين والمسيحيين على حد سواء،‮ ‬وتخرجت فيها شخصيات بارزة فى المجتمع السودانى،‮ ‬ووكان مستوى التعليم فيها مرتفعًا بفضل اختيار نخبة من المعلمين والعلماء للعمل بها‮.‬
لقد آمن الأنبا صرابامون بأن بناء الإنسان لا‮ ‬يقل أهمية عن بناء الكنائس،‮ ‬ولذلك ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بنهضة التعليم القبطى فى السودان‮.‬
وكان الأنبا صرابامون‮ ‬يجمع التبرعات لهذه المشروعات الضخمة من كل ربوع مصر،‮ ‬فئة المليم فما فوق،‮ ‬وكان‮ ‬يقول للناس ببساطته المعهودة‮: »‬أعطونى ثمن فرخة لأجل الكنائس والمدارس‮« (‬وكان ثمن الفرخة عدة قروش حينها‮)‬،‮ ‬تعبيرًا منه عن أن الرب‮ ‬يقبل أقل عطاء‮.‬
بساطته الروحية ومعاصرته للقديسين
تميز الأنبا صرابامون بحياة روحية عميقة اتسمت بالبساطة والنقاوة والارتباط الدائم بالله‮. ‬وقد حفظت الذاكرة الكنسية العديد من الشهادات التى تعكس عمق حياته الروحية وسمو علاقته بالسماء،‮ ‬حتى إن الذين كانوا‮ ‬يزورونه فى قلايته بمطرانية الخرطوم كانوا‮ ‬يسمعونه أحيانًا‮ ‬يتحدث كما لو كان فى حوار مباشر مع السيدة العذراء مريم ورئيسى الملائكة ميخائيل وغبريال،‮ ‬إضافة إلى عدد من القديسين‮. ‬وقد اعتبر معاصروه أن هذه الخبرات الروحية تعبير عن حياة الصلاة المستمرة التى عاشها وعن شركة روحية عميقة مع الكنيسة المنتصرة‮.‬
وعاصر الأنبا صرابامون عددًا من كبار رجال الله الذين تركوا أثرًا واضحًا فى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية،‮ ‬وفى مقدمتهم المتنيح الأنبا أبرآم أسقف الفيوم والجيزة،‮ ‬المعروف بلقب‮ »‬أب الفقراء‮« ‬،‮ ‬والذى تنيح سنة‮ ‬1914م‮. ‬كما عاصر القمص ميخائيل البحيرى تلميذ الأنبا أبرآم،‮ ‬والقمص عبد المسيح الصليبى المسعودى،‮ ‬وغيرهم من الشخصيات الروحية البارزة التى شهدت الكنيسة بقداستها وتقواها.وقد انعكست هذه الحياة الروحية العميقة على شخصيته وسلوكه اليومى،‮ ‬فاشتهر بالتواضع الشديد والبساطة فى المعيشة،‮ ‬وظل محتفظًا بروح الراهب الناسك رغم المسئوليات الكبيرة التى حملها كأسقف ثم مطران على السودان‮.‬
ومن أشهر المواقف التى تكشف عن تواضعه ما حدث عندما قرر الحاكم العام للسودان زيارته دون موعد مسبق أثناء فترة بناء دار المطرانية‮. ‬وعندما وصل إلى الموقع فوجئ برجل‮ ‬يرتدى ملابس بسيطة للغاية ويشارك العمال بنفسه فى حمل أدوات البناء والعمل بينهم‮. ‬وبعد قليل استقبله الأنبا صرابامون رسميًا،‮ ‬فظن الحاكم أن الرجل الذى كان‮ ‬يعمل وسط العمال هو أحد أقارب المطران،‮ ‬فسأله‮: »‬هل العامل الذى كان‮ ‬يحمل أدوات البناء شقيق المطران؟‮«. ‬فابتسم الأنبا صرابامون وأجابه‮: »‬أنا هو‮. ‬فأنا راهب،‮ ‬والراهب‮ ‬ينبغى أن‮ ‬يعمل بيديه ليذلل الجسد ويعيش فى الفضيلة‮«. ‬وقد ترك هذا الموقف أثرًا عميقًا فى نفس الحاكم الذى أبدى إعجابه الشديد بهذا التواضع،‮ ‬وقدم تبرعًا كبيرًا للمطرانية طالبًا صلوات المطران وبركته‮.‬
ويروى عن زيارته الأسبوعية لحديقة النزهة،‮ ‬حيث كان‮ ‬يقف أمام قفص الأسد ويناديه بلطف‮: »‬تعال‮ ‬يا أسد‮«‬،‮ ‬فيقترب الحيوان منه بهدوء،‮ ‬فيمد المطران‮ ‬يده ليربت عليه فى حنان،‮ ‬ثم‮ ‬يأمره بالعودة إلى مكانه فيستجيب‮. ‬كما عرف بموهبة الصلاة من أجل المرضى وإخراج الأرواح الشريرة،‮ ‬ونسبت إليه معجزات عديدة،‮ ‬من بينها شفاء امرأة من حمى شديدة،‮ ‬وإخراج أرواح شريرة من أحد المنازل،‮ ‬وشفاء رجل أصيب بألم شديد بعد سرقته مبلغًا ماليًا من المطرانية‮.‬
وهكذا جمعت شخصية الأنبا صرابامون بين عمق الحياة الروحية،‮ ‬والتواضع العملى،‮ ‬والمحبة الصادقة للناس،‮ ‬وهى صفات جعلته‮ ‬يحتل مكانة خاصة فى قلوب أبناء الكنيسة فى مصر والسودان
مواقف وطنية واستبعاده من السودان
خلال سنوات خدمته بالسودان،‮ ‬عاصر الأنبا صرابامون مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد،‮ ‬اتسمت بتغيرات سياسية وإدارية كبيرة فى ظل الحكم الثنائى الإنجليزى المصرى‮. ‬وفى تلك الظروف برزت شخصيته كراع أمين حافظ على وحدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وارتباطها التاريخى بالكرسى المرقسى فى الإسكندرية‮.‬
كما خدم معه فى السودان عدد من الشخصيات الكنسية البارزة،‮ ‬ومن بينهم القمص سرجيوس الذى عمل بالخرطوم خلال الفترة من عام‮ ‬1910م إلى عام‮ ‬1915م،‮ ‬وعرف ببلاغته وفصاحته كواعظ وكاتب وصحفى،‮ ‬حيث أصدر مجلة»المنارة المرقسية‮« ‬التى وثقت كثيرًا من أحداث الكنيسة فى تلك الحقبة وكتب الكثير عن فضائل وبساطة الأنبا صرابامون‮. ‬وفي‮ ‬عام‮ ‬1918م،‮ ‬اختار الأنبا صرابامون القمص‮ ‬يوحنا سلامة‮ (‬وكان لاهوتيًا بارعًا وواعظًا بليغًا‮) ‬ليكون وكيلاً‮ ‬للمطرانية بالسودان‮.‬
وخلال تلك الفترة ظهرت محاولات مختلفة للتأثير على الهوية الكنسية للأقباط في‮ ‬السودان وإضعاف ارتباطهم بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى مصر‮. ‬إلا أن الأنبا صرابامون ظل متمسكًا بالإيمان الأرثوذكسى الذى تسلمته الكنيسة من الآباء والرسل،‮ ‬ومدافعًا عن وحدة الكنيسة وارتباطها بالكرسى المرقسى‮.‬
وينقل القمص ميخائيل القمص داود مرقس‮ (‬كاهن كنيسة العذراء مريم بروض الفرج‮) ‬نقلاً‮ ‬عن والده المتنيح القمص داود مرقس الذى عاصر تلك الحقبة فى السودان،‮ ‬أن الإنجليز أرادوا فصل السودان عن مصر وفصل الكنيسة القبطية فى السودان عن أمها فى مصر،‮ ‬فبدأوا بمحاولة إدماج بعض الأقباط فى السودان داخل الكنيسة الأسقفية الإنجليزية بقيادة الأسقف الإنجليزى‮ »‬جوين‮«. ‬ودعا الأسقف جوين الأقباط فى الخرطوم وأم درمان لاجتماع لبحث ما سمى‮ »‬وحدة الكنيسة فى السودان ثم العالم‮« ‬تحت شعار‮ »‬رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة‮«. ‬وكان من بين الحاضرين الأنبا صرابامون ومعه القمص داود مرقس‮.‬
بدأ الأسقف جوين حديثه بالتركيز على المحبة والوحدة مدعيًا أنه لا فرق بين الكنيسة الأسقفية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية،‮ ‬ثم طلب رأى المطران الأنبا صرابامون،‮ ‬فالتفت نيافته وقال‮: »‬ما رأيك‮ ‬يا أبونا داود‮«‬،‮ ‬فأجاب القمص داود بقوة‮: »‬هذا الكلام ليس صحيحًا،‮ ‬فالكنيسة الأسقفية ليست مثل الكنيسة القبطية التى تسلمت إيمانها من الرسل،‮ ‬فهى كنيسة رسولية لها أسرارها السبعة المقدسة وكهنوتها الذى تسلمناه من مارمرقس الرسول كاروزها‮. ‬أما الكنيسة الأسقفية فهى كنيسة أنشأها الملك هنرى الثامن بعد انفصاله عن كنيسة روما الكاثوليكية‮. ‬وإذا أردت‮ ‬يا جناب الأسقف الانضمام للكنيسة القبطية،‮ ‬فاذهب إلى القاهرة وقدم خضوعًا لقداسة البابا كيرلس الخامس الجالس على كرسى مارمرقس،‮ ‬وبعد نوالك أسرار المعمودية والميرون والاعتراف والتناول من الأسرار المقدسة،‮ ‬تكون الوحدة مع الكنيسة القبطية‮”. ‬ولما وجد الأسقف الإنجليزى أن المطران الأنبا صرابامون‮ ‬يوافق على هذا الرأى،‮ ‬أنهى الاجتماع فورًا‮.‬
وخلال هذه الفترة حاول الإنجليز زيادة الانقسام داخل الكنيسة القبطية،‮ ‬وطلب الحاكم الإنجليزى من الحكومة المصرية ترحيل المطران والقمص داود إلى القاهرة لتخفيف حدة المعارضة القبطية‮. ‬كما دعا قداسة البابا كيرلس الخامس كلاً‮ ‬من الأنبا صرابامون والقمص‮ ‬يوحنا سلامة إلى القاهرة لبحث أوضاع الكنيسة بالسودان‮. ‬وعند بدء عودتهما إلى الخرطوم،‮ ‬وعند وصولهما إلى مدينة‮ »‬وادى حلفا‮« ‬على الحدود المصرية السودانية،‮ ‬منعت الحكومة الإنجليزية بالسودان بالقوة دخول المطران وأمرت بعودته إلى القاهرة‮.‬
البقاء بالقاهرة حتى النياحة
بعدها تنيح البابا كيرلس الخامس فى‮ ‬7‮ ‬أغسطس‮ ‬1927‮ ‬م،‮ ‬وظل الأنبا صرابامون مستقرًا فى مصر بعيدًا عن كرسيه قسرًا بأمر الحاكم الإنجليزى‮ ‬،‮ ‬إلى أن تنيح بسلام فى‮ ‬18‮ ‬يوليو‮ ‬1935‮ ‬م بشيبة صالحة فى القصر البطريركى بحلوان،‮ ‬عن عمر‮ ‬يناهز‮ ‬75‮ ‬عامًا،‮ ‬ودفن جسده الطاهر بكنيسة الشهيد العظيم أبى سيفين بمصر القديمة أسفل المذبح‮.‬
الاستعداد لبناء كنيسة باسمه
بعد نياحة الأنبا صرابامون،‮ ‬شغر كرسى السودان لمدة‮ ‬12‮ ‬سنة كاملة،‮ ‬حتى ارتقى السدة المرقسية قداسة البابا الأنبا‮ ‬يوساب الثانى البطريرك الـ115،‮ ‬والذى قرر تقسيم السودان إلى إيبارشيتين نظرًا لاتساع المساحة،‮ ‬ففى‮ ‬29‮ ‬يونية‮ ‬1947م سام‮: ‬المتنيح الأنبا‮ ‬يوأنس أسقفًا للخرطوم والجنوب،‮ ‬والمتنيح الأنبا باخوميوس أسقفًا لأم درمان وشمال السودان‮.‬
وقد سيم بعد المتنيح الأنبا باخوميوس المتنيح الأنبا إسطفانوس،‮ ‬ثم سيم المتنيح الأنبا دانيال مطرانًا للخرطوم والجنوب منذ عام‮ ‬1968م‮. ‬وفى عهد مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث،‮ ‬تمت سيامة نيافة الأنبا إيليا الحالى‮ (‬أسقفًا للخرطوم وجنوب السودان حاليًا‮)‬،‮ ‬كما سيم نيافة الأنبا صرابامون الحالى أسقفًا لأم درمان وعطبرة وشمال السودان فى‮ ‬14‮ ‬نوفمبر‮ ‬1993م‮.‬
وعبر نيافة الأنبا صرابامون مطران أم درمان وعطبرة عن سعادته بالاعتراف بقدسية الأنبا صرابامون المتنيح،‮ ‬الذى ساهم فى نهضة كنسية وتعليمية بالسودان،‮ ‬وما زالت ثمرته ممتدة فى الخدمة والعطاء،‮ ‬وقرر نيافته تأسيس أول كنيسة للقديس المتنيح فى أم درمان قريبًا بعد الاستقرار على موقعها‮.‬
مع إعلان المجمع المقدس الاعتراف الرسمى بقداسته،‮ ‬تعود سيرته اليوم لتؤكد كيف استطاع هذا الأب الناسك أن‮ ‬يجمع بين الصلاة والعمل،‮ ‬وبين القداسة والبساطة،‮ ‬وأن‮ ‬يترك أثرًا ممتدًا عبر الأجيال داخل الكنيسة القبطية فى مصر والسودان‮.‬

Leave Comment
Comments
Comments not found for this news.