في واحدة من أكثر قصص البطولة الإنسانية تأثيرًا المرتبطة بأحداث 11 سبتمبر 2001، تبرز قصة المهندس المصري مكرم عبد السيد حنا.. حارب الموت في 11 سبتمبر 2001، وحمل رجلًا عمره 89 عامًا على كتفه ونزل به من الطابق الـ88 قبل انهيار البرج بثوانٍ، قبل أن يتحول لاحقًا إلى القس مارك حنا!
واليك قصة القس مارك حنّا، ابن بني مزار في محافظة المنيا، الذي كان يعمل في برج التجارة العالمي بنيويورك، قبل أن تتغير حياته بالكامل بعد ذلك اليوم، وينتقل بعد سنوات إلى طريق الكهنوت.
وصل مارك حنّا إلى الولايات المتحدة عام 1984، بعد أن أرسل له شقيقه الدكتور ويليام إسكندر عبد حنّا تأشيرة طالب، ليدرس الهندسة في جامعة كونيتيكت. أنهى دراسته عام 1990، وتخصص في هندسة وإدارة الإنشاءات، ثم بدأ العمل في مجال الهندسة قبل أن يلتحق عام 1992 بالعمل في مركز التجارة العالمي.
كان عمله يتضمن إدارة ومتابعة أعمال الإنشاءات والتفتيش عليها، وكان مكتبه في البرج الشمالي، في الطابق الـ88. وفي صباح 11 سبتمبر 2001، وصل إلى عمله قرابة الساعة السابعة وعشر دقائق، في يوم وصفه بأنه كان عاديًا وجميلًا، قبل أن يتحول خلال دقائق إلى واحد من أكثر الأيام رعبًا في التاريخ الحديث.
عند الساعة 8:46 صباحًا، اصطدمت الطائرة بالبرج الشمالي. شعر مارك وزملاؤه بهزة عنيفة اعتقدوا في البداية أنها ربما تكون مشكلة فنية أو انفجارًا في إحدى مضخات المياه الموجودة بالمبنى. وبعد لحظات، بدأت النيران والدخان في الظهور، وأدركوا أن الوضع أخطر بكثير مما تصوروا.
كان مارك برفقة مديره فرانك دي مارتيني وزميلهما بول أورتيز. وبدلًا من النزول فورًا، قرر الثلاثة مساعدة زملائهم على الخروج من الطابق، بعدما أصبح أحد السلالم غير قابل للاستخدام بسبب الحريق، فتمكنوا من الوصول إلى السلم C ومساعدة عدد من الأشخاص على النزول.
ثم سمعوا أصوات استغاثة قادمة من الطابق الـ89. كان هناك أشخاص محاصرون خلف باب لم يعد يفتح بسبب الأضرار التي لحقت بالمبنى. وباستخدام عتلة حديدية، تمكن بول من فتح الباب، وأنقذ الثلاثة نحو 18 شخصًا كانوا يعانون من الدخان والاختناق.
وبعد ذلك، عاد الثلاثة إلى طريق النزول، لكنهم التقوا في الطابق الـ88 برجل مسن يدعى مو ليبسون، كان يبلغ من العمر 89 عامًا، وكان قد شارك في أعمال تصميم المبنى خلال فترة إنشائه. احتاج الرجل إلى المساعدة، فدار نقاش بين فرانك وبول ومارك حول من سيتولى رعايته.
وفي النهاية، طلب فرانك من مارك، باعتباره الأصغر بينهم، أن يتولى الرجل المسن ويساعده على النزول، بينما يبقى هو وبول لمتابعة محاولة إنقاذ أحد زملائهم العالقين داخل مصعد.
كان ذلك القرار نقطة فاصلة في حياة مارك. فقد ترك مديره وصديقه فرانك وزميله بول، وبدأ النزول برفقة مو من الطابق الـ88.
وخلال الطريق، كان مارك يستخدم جهاز اللاسلكي للتواصل مع فرانك وبول، ويتوقف في بعض الطوابق للتأكد من وجود أشخاص يحتاجون إلى المساعدة، ويخبرهم بأن الطائرة اصطدمت بالمبنى وأن عليهم مواصلة النزول.
وعند الطابق الـ68 تقريبًا، شعر بهزة عنيفة أخرى، لم يكن يعلم حينها أن الطائرة الثانية أصابت البرج الجنوبي.
واصل مارك ومو النزول حتى وصلا إلى الطابق الـ21، حيث وجدوا مجموعة من رجال الإطفاء أقاموا نقطة لمساعدة الأشخاص الذين ينزلون من المبنى، وتقديم الأكسجين والمساعدة الطبية، خصوصًا لكبار السن.
لكن رجال الإطفاء طلبوا من مارك مغادرة المكان، لأنه لم يكن من أفراد فرق الإنقاذ. وعندما خرج مع مو، كان الرجل المسن يسير ببطء شديد، بينما كان مارك يشعر بأنه بحاجة إلى الإسراع. وفي تلك اللحظة، قرر حمله على كتفه ومواصلة النزول.
وبحسب روايته، كانت تلك اللحظات الأخيرة قبل انهيار البرج من أكثر اللحظات حسمًا في حياته. ومع اقتراب الساعة من 10:22 صباحًا، انقطعت الكهرباء، وغرقت سلالم المبنى في الظلام، لكن الإضاءة الفوسفورية التي كانت موضوعة على الأرض داخل السلالم ساعدتهما على مواصلة طريقهما.
وصلا في النهاية إلى مستوى الكونكورس، حيث كانت المياه قد ارتفعت إلى مستوى الركبتين، وكانت المحلات مدمرة والحطام في كل مكان.
كان مو يريد الخروج من جهة تشيرش ستريت، بينما اختار مارك الاتجاه نحو الجانب الغربي. وبعد خروجهما من المبنى، حمل مارك الرجل المسن وطلب المساعدة من الشرطة، موضحًا أنه نزل من الطابق الـ88 وأن الرجل يبلغ قرابة 100 عام. فأجابه الرجل مبتسمًا بأنه في الحقيقة يبلغ 89 عامًا.
بعد دقائق، نُقل مو بواسطة سيارة إسعاف، بينما ظل مارك يراقب البرج المحترق ويحاول الاتصال بفرانك وبول عبر جهاز اللاسلكي، دون أن يتلقى أي رد.
ثم انهار البرج.
يقول مارك إنه عندما شاهد المبنى ينهار، لم يفكر إلا في الجري، وانطلق بكل قوته حتى وصل إلى منطقة نهر هدسون، حيث ساعدته فتاتان بالماء وغسل وجهه، قبل أن يواصل رحلة العودة إلى نيوجيرسي.
غادر مارك منطقة مركز التجارة العالمي سيرًا على الأقدام، وقطع مسافة طويلة باتجاه منطقة العبّارات، قبل أن يتمكن من ركوب وسيلة نقل إلى هوبوكن. ولم يتمكن من الاتصال بزوجته إلا قرابة الساعة الثانية إلا ربعًا ظهرًا، بعدما كانت قد عرفت أن البرجين انهارا وكانت تتوقع أنه ربما لن يعود.
خرج مارك من المبنى قرابة الساعة 10:21 صباحًا، بينما انهار البرج الشمالي بعد ذلك بدقائق، وهو ما جعله يرى أن كل دقيقة قضاها في مساعدة شخص آخر كان يمكن أن تكون دقيقة من عمره، وأن نجاته كانت في النهاية بتدبير الله.
لكن النجاة لم تعنِ أن مارك نسي من فقدهم. فقد كان مديره فرانك دي مارتيني وزميله بول أورتيز من بين من لقوا حتفهم، إلى جانب عدد كبير من زملائه وأصدقائه.
بعد الهجمات، حرص مارك على حضور جنازات الضحايا، حتى إن بعض العائلات لم تكن تعرفه شخصيًا. وكان يشعر بأن من واجبه الوقوف إلى جانب أسر زملائه الذين فقدوا حياتهم، وكانت جنازة فرانك تحديدًا من أكثر اللحظات تأثيرًا فيه، بسبب علاقته القوية به ومعرفته بزوجته وأبنائه.
كما عاد إلى موقع «غراوند زيرو»، وهناك وقف أمام أنقاض البرجين، متأثرًا بفكرة أنه يقف فوق المكان الذي فقد فيه عددًا من أصدقائه.
وبعد تكريم عدد من رجال الإطفاء والشرطة والمدنيين الذين قاموا بأعمال بطولية خلال الهجمات، حصل مارك على ميدالية تقدير عن إنجاز مدني استثنائي، بعد أن كتب الأشخاص الذين أنقذهم من الطابق الـ89 إلى حاكم نيويورك والجهات المسؤولة، مؤكدين دوره في إنقاذهم.
وكانت الميدالية تحمل اسمه وصورة البرجين، وأصبحت واحدة من أهم الذكريات التي يحتفظ بها عن ذلك اليوم.
لكن 11 سبتمبر لم تغير حياة مارك فقط لأنها جعلته ناجيًا وبطلًا، بل قادته أيضًا إلى طريق جديد تمامًا.
قبل الأحداث، لم يكن الكهنوت ضمن خططه على الإطلاق. كان مهندسًا مدنيًا يعيش حياته ويعمل في مجاله، ولم يكن يتوقع أن يصبح كاهنًا. لكنه بعد 11 سبتمبر شعر بأن نجاته من الموت كانت هبة من الله، وأن حياته الجديدة ربما تحمل رسالة تتجاوز حياته الشخصية.
وبعد نحو أربع سنوات، وفي عام 2005، استجاب لدعوة الكهنوت، بعد تردد وتشاور مع زوجته، وقال إن شعوره بأن الله منحه حياة جديدة دفعه إلى قبول الدعوة والخدمة.
ويرى القمص مارك حنّا أن أهم درس خرج به من أحداث 11 سبتمبر هو ألا يفكر الإنسان في نفسه فقط عندما يواجه الأزمات، بل أن ينظر إلى من حوله ويساعد الآخرين، مؤكدًا أن القوة التي يحتاجها الإنسان في مثل هذه اللحظات تأتي من الله.
خرج مكرم من ذلك اليوم بقناعة إنسانية عميقة، ربما كانت واحدة من أثمن الهدايا التي تركتها له تلك المأساة: أن الإنسان في لحظات الخطر الحقيقية لا يعود يُرى بلونه أو دينه أو جنسيته أو خلفيته، بل يُرى بإنسانيته فقط. ففي قلب الخوف، حين كان الجميع يبحثون عن طريق للنجاة، كان هناك من يتوقف ليساعد شخصًا آخر، ومن يمد يده لإنقاذ غريب، ومن يختار أن يبقى رغم أن الخطر يقترب منه.
ومن هنا، أصبحت رسالته أبعد من مجرد قصة نجاة من الموت؛ إنها دعوة إلى أن تكون إنسانًا حتى في أصعب اللحظات. ساعد غيرك، حتى وأنت خائف، وامنح من وقتك وقوتك وقلبك، حتى عندما تكون أنت في أشد الاحتياج. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر عندما تكون الحياة سهلة وآمنة، وإنما عندما يستطيع، وسط خوفه وألمه، أن يلتفت إلى إنسان آخر ويقول: “لن أتركك وحدك”.
ولعل أعمق ما تعلمه مكرم أن الحياة التي تُمنح لنا ليست ملكًا لنا وحدنا، وأن النجاة ليست نهاية الحكاية، بل مسؤولية تبدأ بعدها. فإذا كنت قد مُنحت فرصة أخرى للحياة، فالسؤال ليس فقط: كيف تنجو؟ بل: ماذا ستفعل بهذه الحياة بعد أن تنجو؟ وكيف ستجعل وجودك سببًا في نجاة إنسان آخر، أو في تخفيف ألمه، أو في منحه بعض الأمل؟
وربما لا نستطيع أن نمنع كل مآسي العالم، ولا أن نوقف الخوف الذي يحيط بنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتصرف داخله. نستطيع أن نكون اليد التي تمتد، والكتف الذي يحمل، والصوت الذي يطمئن، والإنسان الذي لا يمر بجوار ألم الآخرين وكأنه لا يعنيه. ففي أحلك اللحظات، قد تكون أبسط صورة للبطولة هي أن تساعد غيرك على الوصول إلى النور، حتى وإن كنت أنت ما زلت تحاول الخروج من الظلام.
واليوم، يواصل القمص مارك خدمته المجتمعية في كنيسة السيدة العذراء في إيست برونزويك، ويشارك في أعمال تطوعية وخدمة المجتمع، مؤكدًا أن تجربته في 11 سبتمبر جعلته أكثر إيمانًا بأن الخير والرحمة والشجاعة تبدأ عندما يقرر الإنسان أن يهتم بالآخر.
ومن مهندس مصري من بني مزار يعمل في الطابق الـ88 من أحد أشهر مباني العالم، إلى ناجٍ حمل رجلًا مسنًا على كتفه ونزل به عشرات الطوابق، ثم إلى كاهن يكرّس حياته لخدمة الآخرين، أصبحت قصة مارك حنّا واحدة من القصص التي تختصر معنى البطولة الحقيقية: أن تمتلك القدرة على إنقاذ نفسك، ثم تختار أن تمد يدك لإنقاذ إنسان آخر.