في قراءة استثنائية لتاريخ الكنيسة والوطن، وبمنهج يمزج بين دقة الأكاديمي وشغف المؤرخ، أطلق الباحث القدير ماجد كامل، كبير الباحثين السابق بدار الكتب والوثائق القومية، الجزء الثاني من موسوعته الضخمة «مائة شخصية قبطية على أرض مصر». ويأتي هذا الإصدار ليمثل حجر زاوية في مشروع توثيقي طموح، خصصه المؤلف هذه المرة لرجال الإكليروس من بطاركة ومطارنة وأساقفة وكهنة وشمامسة، ليكون بمثابة سجل حي يرصد الأدوار الروحية والوطنية التي لعبتها هذه الرموز في صياغة التاريخ المصري المعاصر، وهو ما دفع قداسة البابا تواضروس الثاني للإشادة بالعمل في مقدمة رفيعة، وصف فيها هؤلاء الأعلام بأنهم “أعمدة نور” تضيء طريق الكنيسة عبر الأجيال.
لم يقف المؤرخ ماجد كامل في عمله، الذي يمتد عبر 624 صفحة من القطع المتوسط، عند حدود السرد التقليدي، بل استهل موسوعته بتأصيل عقائدي وتاريخي دقيق لمكانة الإكليروس وسر الكهنوت، مستندًا إلى الآيات الكتابية وأقوال الآباء الأولين. وينطلق الكتاب في رحلة عبر ستة فصول غنية؛ تصدرها فصل البطاركة الذي رصد سيرة عشرة من باباوات الكنيسة في حقبة زمنية فاصلة (1796م – 2012م)، بدأت من عصر البابا مرقس الثامن وصولاً إلى مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث، تلاها توثيق لسير أربعة وعشرين مطرانًا بدأت الأنبا متاؤس مطران اثيوبيا وانتهت الانبا باخوميوس مطران البحيرة و خمسة عشرأسقفًا بالأنبا يوساب الأبح وانتهت بالأنبا ميشائيل أسقف جنوب ألمانيا، لتكتمل الصورة في الفصل الرابع الذي يعد الأكبر في الكتاب بضمه أربعة وأربعين قمامصة وقساوسة ، بجانب تسليط الضوء على رؤساء الشمامسة مثل الأرشيدياكون حبيب جرجس ورمسيس نجيب.
وتتجلى القوة البحثية في هذا العمل عبر قدرة المؤلف على تحقيق “المعاصرة التوثيقية”؛ حيث لم يغفل الجانب الإنساني والذكريات الشخصية التي جمعته ببعض هذه القامات، مثل علاقته بالمتنيح القمص بطرس جيد، مما أضفى روحًا وحيوية على المادة التاريخية. وبحيادية تامة، نجح كامل في تقديم نسيج مترابط يجمع بين الجغرافيا والتاريخ، متنقلاً بالقارئ بين ربوع الكرازة المرقسية في الداخل وبلاد المهجر، ليخرج الكتاب ليس فقط كمرجع بحثي رصين للمتخصصين، بل كملحمة وطنية وروحية تحتفي برموز الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الذين ظلوا على مدار أكثر من مائة وخمسين عاماً حراساً للعقيدة وشركاء أصلاء في بناء الوطن.
بين دفتي الكتاب، يعزف ” ماجد كامل”مائة سيرة خالدة لآباء قديسين ورجال مباركين وخدام كارزين، ملتزمًا في طرحه بالحيادية التاريخية الحقيقية، ونائيًا بنفسه عن فرض الآراء والأحكام الشخصية التي قد تشوب كتابات السير الوطنية والدينية. كما يتجلى ذكاء المؤلف في الرؤية البصرية للعمل، حيث تصدر غلاف الكتاب -الذي صممه ببراعة المهندس هاني سليمان – صور أربعة عمالقة من رواد التعليم في القرن العشرين وأوائل الحادي والعشرين، وهم: البابا شنوده الثالث، والأنبا باخوميوس، والقمص بيشوي كامل، والأرشيدياكون حبيب جرجس؛ وتتوسطهم الكنيسة المعلقة التي تطل بشموخها التاريخي بوصفها مقرًا بطريركيًا عريقًا لأكثر من مائتي عام.
ويأتي هذا الكتاب الموسوعي، الذي استحق ثناء وتقديم قداسة البابا تواضروس الثاني وتقديره لمجهود الباحث، ليمثل مرجعًا قيمًا يضاف للمكتبة القبطية، وسط إشادات بجهد فريق العمل القمص بولس حليم و الدكتور رامى عطا الذين ساهموا في خروج هذا الكتاب للنور لخدمة المهتمين بمجال الدراسات القبطية والتاريخية.