“دور القضاء الإداري المصري في الحفاظ على الهوية الوطنية المصرية”، تحت هذا العنوان وتحت رعاية قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، وشريكه في الخدمة الرسولية نيافة الحبر الجليل أنبا إرميا الأسقف العام رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، أقام المركز ندوة “كاتب وكتاب” مساء الأحد 10 مايو 2026، يأتي هذا حرصًا من المركز على تعزيز لغة الحوار الفكري والثقافي بين أفراد المجتمع، وذلك لمواجهة وحل الكثير من التحديات والمشكلات التي تقف عائقًا أمام التقدم والازدهار.
أدار الندوة الكاتب الصحفي أ. ميلاد حنا مساعد رئيس تحرير جريدة المصري اليوم، لمناقشة كتاب “اللغة والدين جوهر الهوية الوطنية المصرية”، للقاضي د. أحمد هشام فرحات المستشار بمجلس الدولة، وذلك بحضور نخبة من أساتذة الجامعات والأطباء والأدباء والصحفيين والكتاب والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري.
وفي كلمته استعرض القاضي د. أحمد هشام فرحات محاور كتابه، مستهلًا حديثه بالتأكيد على دور الراحل البابا شنودة الثالث كشخصية محورية حافظت على الهوية المصرية، قائلًا: “كان فصيحًا ولغويًا وحافظ على التراث ببراعة”.
وفجر القاضي فرحات مفاجأة قانونية وتاريخية برفضه إطلاق مصطلح “الأقليات” في مصر، مؤكدًا أن القرآن خاطب “أهل الكتاب” بهويتهم، وأن الدستور المصري يحمي عناصر “الهوية اللغة، الدين، التراث، التاريخ” من محاولات الطمس التي قد تسلل عبر الإعلام أو بعض المناهج، ضاربًا أمثلة حية لدور القضاء الإداري، مستشهدًا بواقعة غلق “ملهى ليلي” بجوار كنيسة، وحكم مماثل بغلق “كافيه” بجوار مسجد، ومؤكدًا أن القاضي المصري يقف على مسافة واحدة من دور العبادة، ويحمي قدسيتها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية.
وأشار القاضي فرحات إلى أن الهوية القبطية جزء لا ينفصل عن الهوية الإسلامية تحت مظلة الوطن، مؤكدًا أن المصريين أكثر تقوة من سائر البشر، وموضحًا أن القضاء الإداري حظر تمامًا بيع “بيوت الله” وحمى كيان المسجد والكنيسة على حد سواء، كما أشار إلى الجذور المشتركة بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية في مفردات يومية، متحدثًا عن اعتراض قداسة البابا تواضروس الثاني في حديثه عن المسيحيين كأقليات، مشيرًا في هذا الصدد إلى أنه كتب هذه المقولة في كتابه لأنها لها أساس في القانون، كما أنها لها أساس في الاتفاقات الدولية، موضحًا أن هذا المصطلح لا يصح أن يُطلق في مجال الهوية، بل من الممكن أن يستخدم هذا المصطلح في مجال الحقوق والحريات.
ثم بدأت جلسة نقاشية حيث تقدم أ. ميلاد حنا مساعد رئيس تحرير جريدة المصري اليوم ببعض النقاط من ضمنها هل القضاء الإداري المصري عمل على حماية اللغة العربية من الهجمات في مجال التعليم؟ وما رأي القاضي د. أحمد هشام فرحات في الأشخاص الذين ينادون بإلغاء مادة الدين في المدارس ويقولون بإن مكانها المساجد والكنائس؟ وهل هذا سوف يؤثر علي الهوية؟ وأيضًا ماذا عن إلغاء مادة التاريخ ونقلها لمادة غير أساسية فأين دور القضاء؟
عقب القاضي د. أحمد هشام فرحات المستشار بمجلس الدولة على ذلك، بنعم، حيث أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا أشار إلى خطورة ذلك، حيث نص على أن اللغة العربية يجب أن تسمو في مناهج التعليم على باقي اللغات وخاصة اللغة الإنجليزية، وجعلها اللغة الأساسية على نحو مكافىء أو يفوق اللغات الأجنبية الأخرى وأن الحفاظ علي الهوية العربية واجب قومي ووطني يتعين الالتزام به في شتى المجالات أمام توغل اللغات الأجنبية الأخرى وهو ما يستوجب التأكيد على ضرورة اهتمام الدولة باللغة العربية إذًا فالقضاء الإداري المصري لم يقف منعزلًا عن الواقع بل عمل على ضرورة الحفاظ على اللغة العربية.
أما بالنسبة لمادة الدين أشار في كتابه “اللغة والدين” إلى ضرورة تدريس مادة العلوم الدينية ليس فقط في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي بل في مرحلة التعليم الجامعي أيضًا وتضاف إلى المجموع، أما عن مادة التاريخ فلم تلغى لأنها من المواد الأساسية وتدرس في المدارس، حيث أصدرت وزارة التربية والتعليم اللغة العربية والدين والتاريخ حتى في المدارس الأجنبية.
ومن جانبه عقب دكتور يسري عزام على أن الهوية واللغة تحافظان على الأمن القومي حيث إن من أسس الهوية اللغة والدين والتاريخ والتراث وأن القاضي المصري يقف على مسافة واحدة من الجميع وإن الهوية الوطنية المصرية تشمل جميع الديانات ولا تفرق بين الديانة المسيحية والإسلامية مثل ما يحدث في الأعياد مثل “شم النسيم”.
ثم تحدث دكتور عبدالله الشافعي عن اللغة وعن اندثارها بسبب تقدم الدول الأجنبية على العرب وأخذ العلم منهم بسبب غلب الواقع التطبيقي على ما يراد كما قدم د. عبدالله طلب دعم اللغة القبطية والعربية.
ثم تحدث المستشار حسام الدين علام عن العلوم الاجتماعية وخاصة تخصص دراسات السلام حيث نجد إن الباحثيين يفرقون بين السلام الإيجابي والسلبي.
ثم تساءل أ. هاني لبيب رئيس تحرير مبتدا لماذا يتم اختزال الهوية في اللغة العربية وخاصة الهوية الإسلامية ؟
ثم تساءل دكتور رضا عبد السلام عن المواطنة في ظل الدولة الحديثة وماذا عن ملائمة القضاء الإداراي في هذا الموضوع؟
وعقب المستشار محمد الشربيني على الكتاب أنه يتكلم على لفظ العولمة الناعمة فهو عميق في معناه يتكلم عن اللغة والدين ، موضحًا أن هناك فرق بين العولمة واللغة العالمية مثل الفرق بين الشرعية والمشروعية فلفظ العولمة الناعمة موفق وذو مدلول عميق ، مؤكدًا أن المصريين أكثر وعيًا وتطورًا من أي كائن على وجه الأرض، لذلك يطلق على مصر أم الدنيا ، فمصر بها أكثر من 16 مليون ضيف يعامولن كأنهم مصريين فهذه طبيعة الهوية والدولة المصرية.
كما علق د. مجدي عدلي موضحًا أن الهوية المصرية في الأساس تدريجيًا فرعونية ثم قبطية ثم إغريقية ثم رومانية ثم عربية،
في كل هذه المراحل في التاريخ تغيرت اللغة عدة مرات ومع ذلك بقى الجين المصري جين واحد، موضحًا أنه ليس هناك علاقة بين ربط اللغة بربط الهوية فمصر في الأساس كيان قائم بذاته من قبل التاريخ، وتحدث عن موضوع تعريب العلوم وأكد أنه يوجد ما يسمى بحق الملكية الفكرية لذلك لا يمكن أن نأخذ علومهم ونحولها للعربية فهذا يعتبر أخذ ملكية خاصة ليست من حقك، كما تحدث أيضًا عن تغيير الإعلام للغة العربية مؤكدًا رفضه لذلك لأنه يجب على الجميع أن يعلم أن هناك لغات عديدة غير العربية يجب تعلمها أيضًا
وتحدث عن قضايا ازدراء الأديان وتطور التكنولوجيا موضحًا أن هناك العديد من صانعي المحتوى يظهرون ليؤكدون على ذلك ولا أحد يتعرض لهم سواء القضاء العام أو القضاء الإداري، وتساءل ما قيمة وجود خانة الديانة في بطاقة الرقم القومي فجميع دول العالم لا تفعل هذا فلماذا مصر البلد الوحيدة التي تفعل ذلك؟
وأكد د. محمد كريم أن الهوية المصرية خط الدفاع الأول عن مصر لولا متانة الهوية المصرية لسقطت مصر في العديد من المواقف والأحداث ولكن الهوية المصرية تتعرض للاختراق حاليًا
موضحًا أن ما نراه في العشر سنوات الأخيرة يستدعي أن تتدخل جميع المؤسسات مثل الكنيسة والأزهر والنقابات
مشددًا على دور الإعلام المهم لما يقدمه الفترة الحالية ويساعد في تعليم جميع الأجيال ففي الماضي كان الإعلام يساعد في التماسك والترابط بين جميع الأجيال
وقال أ. ماجد أبادير عضو عامل باتحاد كتاب مصر وشاعر مصري إن اللغة ليست فقط تعبر عن الهوية لكن تعبر عن الوجود
فاللغة يحميها اليوم ويدافع عنها هو صاحبها المتحدث بها كما أكد أن اللغة تفتح الثقافات والمجالات للعلوم الآخرى لنتعلم منها فيجب أن تعرف كيف يتحدث عدوك؟
من جانبه شكر أحد الحاضرين الكاتب على دقة الكتاب، موضحًا أن اللغة العربية جميلة ومقدرة ولها أهميتها لكنه يجب متابعة وتعلم لغات عالمية أخرى ليكون من أجل العلم والمعرفة.
وتسألت أ. سمر هل نحن الآن أمام جيل حقيقي يعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل هويته أكثر من الأهل؟؟؟
وقد عقب القاضي د. أحمد هشام فرحات موضحًا أنه في التوصية رقم 10 في الكتاب، يرى تعديل قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 لينص على أن جميع الرسائل العلمية المقدمة لنيل درجات علمية في التخصصات العلمية المختلفة يجب أن تقدم باللغة العربية أساسًا ويلحق بها ملخص باللغة الأجنبية، وحتى ولو كانت الدرجة العلمية مأخوذة من دولة أجنبية لابد من تعريبها ولا يتكفى بتقديم ملخص عربي للرسالة، كما أوضح أنه يصبح من واجب المشرفين على الثقافة واللغة العربية في الدولة المصرية، أن يجتهدوا في تمويل الأبحاث التي تمكن للغة العربية اقتحام ميدان الترجمة الآلية في شبكات الإنترنت الذي يضمن للغة تبادلًا متوازنًا ومثاقفة إيجابية، كما أوضح أنه يرى ضرورة حجب جميع منصات التواصل الاجتماعي الأوروبية والاستعاضة عنها بمنصات عربية خالصة يتم السيطرة عليها عن طريق أبناء الأمة المخلصين بما يؤدي إلى الحفاظ على الهوية والثقافة المصرية.
وفي ختام الصالون أوضح نيافة الحبر الجليل أنبا إرميا الأسقف العام رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي أنه بالنسبة للغة العربية فهي موجودة من قبل مجئ السيد المسيح ولا خلاف على ذلك، وبالنسبة للترجمة فقد أوضح نيافته أن الترجمة تزيد من الثقافة والتفاعل ولا يوجد أي إشكالية، موضحًا أن الهوية الإنسانية هي تفاعل مستمر بين الطبيعة “العلم أو البيولوجيا” والثقافة “التاريخ والمجتمع والذاكرة”، فهي ليست قالبًا جاهزًا جامدًا وليست بناء اجتماعي خالص بل هي مزيج معقد بين ما هو فطري وما هو مكتسب، فالإنسان لا يولد بهوية مكتملة بل يصنعها عبر الزمن، متسائلًا هل ستبقى الهوية مرتبطة بالجغراقيا والتاريخ واللغة أم ستتجه نحو إشكال جديد عابر للحدود؟، مجددًا شكره للجميع على حضورهم ومشاركتهم وعلى المداخلات القيمة والثرية وعلى هذا اللقاء الذي يدل على أن مصر مازالت فخورة بأبنائها وقضاتها وعلمائها ومحاميها وأساتذتها في الجامعات وكل شعبها المثقف لنضع مصر على قمة الدول كما كانت، معتقدًا أن مصر هي الشعب الوحيد الذي ذكر في جميع الكتب السماوية وقيل عنها مبارك شعبي مصر، كما قيل أيضًا أدخلوها بسلام آمنين وهي البلد الوحيدة التي احتوت كل الأنبياء والرسل واحتموا بها، فستظل مصر بلد الأمن والأمان إلى أبد الآبدين.
ثم قام الجميع في نهاية الندوة لالتقاط الصور التذكارية.