لم يكن العمل المسكوني في عهد قداسة البابا شنودة الثالث مجرد زيارات متبادلة بين رؤساء الكنائس، وإنما امتد إلى المشاركة في الحوارات اللاهوتية وتأسيس أطر للتعاون بين الكنائس، إلى جانب الحضور في المؤسسات المسكونية الإقليمية والدولية، وهو ما جعل ملف التقارب بين الكنائس أحد الجوانب البارزة في مسيرته البابوية.
وبدأت ملامح هذا الدور قبل تنصيبه بطريركًا، ففي عام 1967، وأثناء خدمته أسقفًا للتعليم، اختير أول رئيس لرابطة المعاهد اللاهوتية في الشرق الأدنى «ATINA»، التي تحولت لاحقًا إلى رابطة المعاهد اللاهوتية في الشرق الأوسط «ATIME»، في إطار الاهتمام بالحوار والدراسة اللاهوتية بين الكنائس.
وفي سبتمبر 1971، شارك البابا شنودة، ممثلًا عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في الحوار اللاهوتي بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية، الذي نظمته مؤسسة «Pro Oriente»، وارتبطت مشاركته بمحاولات صياغة أرضية مشتركة حول طبيعة السيد المسيح، بعيدًا عن الصياغات التاريخية التي أسهمت في الخلافات بين الكنائس.
زيارات مسكونية وحضور دولي
شهد عام 1972 واحدة من أبرز محطات الحضور المسكوني للبابا شنودة، عندما قام برحلته المسكونية الأولى، خلال الفترة من 3 إلى 30 أكتوبر، وزار روسيا ورومانيا وأرمينيا والقسطنطينية وسوريا ولبنان، والتقى خلالها بعدد من رؤساء الكنائس والبطاركة.
وفي مايو 1973، زار البابا شنودة الفاتيكان والتقى البابا بولس السادس، في زيارة شكلت محطة مهمة في العلاقات بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، كما تزامنت الفترة نفسها مع زيارة لإثيوبيا، في إطار العلاقات التاريخية بين الكنيستين القبطية والإثيوبية.
وامتد نشاطه المسكوني إلى الولايات المتحدة، حيث قام عام 1977 بأول رحلة رعوية له إليها، والتقى خلالها عددًا من رؤساء الكنائس، كما شارك عام 1988 في الاحتفالية العالمية بروسيا بمناسبة مرور ألف عام على دخول المسيحية إليها.
مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط
وفي عام 1991، وخلال أعمال الجمعية العامة السابعة لمجلس الكنائس العالمي في أستراليا، اختير البابا شنودة الثالث ضمن رؤساء مجلس الكنائس العالمي، في خطوة عكست حضور الكنيسة القبطية داخل واحدة من أبرز المؤسسات المسكونية العالمية.
وعلى المستوى الإقليمي، ارتبط اسم البابا شنودة بمجلس كنائس الشرق الأوسط، حيث شاركت الكنيسة القبطية في مسيرة تأسيس المجلس عام 1974، ثم تولى البابا شنودة رئاسته في نوفمبر 1994 بقبرص، وأعيد انتخابه بالإجماع في دورات لاحقة، واستمر في رئاسة المجلس حتى عام 2007، قبل اختياره رئيسًا فخريًا.
كما شهد عهده اتساع مشاركة الكنيسة القبطية في عدد من الأطر والمجالس المسكونية الإقليمية والدولية، بما في ذلك مجلس كنائس أفريقيا وغيرها من الهيئات المعنية بالتعاون بين الكنائس.
حوارات واتفاقات لاهوتية
لم يتوقف النشاط المسكوني في عهد البابا شنودة عند اللقاءات والزيارات، بل امتد إلى الحوار اللاهوتي مع عدد من الكنائس والتقاليد المسيحية. ففي عام 1989 استضاف دير الأنبا بيشوي حوارًا بين الكنيسة القبطية والكنائس الأرثوذكسية البيزنطية، وانتهى إلى صيغة اتفاق لاهوتي حول طبيعة السيد المسيح، استندت إلى تعليم القديس كيرلس الكبير.
كما شجع البابا شنودة استئناف الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية عام 2003، واستمر الحوار بصورة دورية لمناقشة عدد من القضايا الكنسية واللاهوتية، إلى جانب الحوار مع الكنيسة الأنجليكانية والاتحاد العالمي للكنائس المصلحة.
وفي أبريل 2001، وقع البابا شنودة الثالث مع البطريرك بتروس السابع اتفاقًا رعويًا مع كنيسة الروم الأرثوذكس بالإسكندرية، في إطار العلاقات بين الكنيستين.
رؤية تقوم على التقارب
وعبر البابا شنودة الثالث في أكثر من مناسبة عن رؤيته للعمل المسكوني، مؤكدًا أن الخلافات العقائدية التاريخية لا ينبغي أن تمنع الكنائس من العمل المشترك والمحبة المتبادلة.
وقال في إحدى كلماته عن الوحدة المسيحية إن رغبة السيد المسيح هي أن يكون الجميع واحدًا، مستشهدًا بصلاة المسيح من أجل وحدة تلاميذه، كما أكد أن الخلافات التي تراكمت عبر القرون لا تلغي وجود مساحة للمحبة يمكن من خلالها العمل على تجاوز أسباب الشقاق.
وبهذه الرؤية، جمع العمل المسكوني في عهد البابا شنودة بين الحوار اللاهوتي والزيارات الكنسية والمشاركة في المؤسسات المسكونية، إلى جانب بناء علاقات مباشرة مع رؤساء الكنائس، لتظل هذه الملفات جزءًا من صفحات مسيرته البابوية وتراثه الكنسي