أكد قداسة البابا تواضروس الثاني أن القدوة الحقيقية تمثل ركيزة أساسية في حياة الأب الكاهن والخادم، مشددًا على أن تأثير الإنسان لا يتوقف عند حدود ما يقدمه من تعليم أو خدمة، بل يمتد إلى ما تعكسه حياته من سلوك عملي يترجم تعاليمه إلى واقع ملموس، ويقود الآخرين إلى المسيح.
جاء ذلك خلال عظة قداسة البابا تواضروس الثاني الأسبوعية، التي ألقاها بالمقر البابوي بالقاهرة، بحضور كهنة قطاع كنائس عزبة النخل وأسرهم، واستكمل خلالها حديثه عن «قانون القدوة»، متناولًا المجالات الستة التي حددها بولس الرسول في رسالته الأولى إلى تيموثاوس، وهي: الكلام، والتصرف، والمحبة، والروح، والإيمان، والطهارة، مع التركيز على المجالات الأربعة الأخيرة، إلى جانب التأمل في بركات القدوة ومسؤوليتها في حياة الخادم.
واستهل قداسة البابا العظة بالترحيب بالآباء الكهنة والأسر المشاركة، ثم قرأ جزءًا من رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس، الإصحاح الرابع، مؤكدًا أهمية أن يتعامل كل واحد مع الوصية باعتبارها رسالة شخصية موجهة إليه، لا مجرد كلمات تُقرأ أو تُسمع.
وقال قداسته إن الإنسان يجمع في حياته بين ثلاثة أدوار أساسية، هي أن يكون معلمًا يقدم المعرفة، وخادمًا يعمل من أجل الآخرين، وقدوةً تسند حياته ما يقوله من تعاليم. وأوضح أن دور المعلم والخادم يظل ناقصًا إذا لم تدعمه القدوة العملية، لأن الإنسان مطالب بأن تكون أفعاله متوافقة مع أقواله.
وضرب مثالًا بالطفل الذي طلب منه والده أن يخبر المتصل هاتفيًا بأنه غير موجود، فقال الطفل ببراءة: «بابا بيقولك إنه مش موجود»، في موقف يكشف كيف تتناقض الكلمات مع الواقع عندما تغيب القدوة، مؤكدًا أهمية أن يسند الإنسان تعليمه وخدمته بسلوكه.
المحبة الحقيقية.. قلب الأب الذي يبحث عن خلاص أبنائه
وفي حديثه عن القدوة في المحبة، شدد البابا تواضروس الثاني على أن المحبة ليست مجرد كلمات أو مظهر خارجي، بل هي اهتمام حقيقي بخلاص الآخرين ورعايتهم، موضحًا أن الأب المحب يبحث عن خلاص جميع أبنائه، الصغير والكبير، والشاب والشابة، وكل من ائتمنه الله على خدمتهم.
واستشهد بموقف موسى النبي عندما شفع في الشعب بعد خطية عبادة العجل، قائلًا: «الآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت»، موضحًا أن موسى لم يوافق على خطية الشعب، لكنه لم يتخلَّ عن محبته لهم.
وأشار إلى أن طلب أحد المخدومين الصلاة من أجل أبيه الكاهن يمثل علامة على المحبة المتبادلة بين الراعي وأبنائه، لافتًا إلى أن القدوة في المحبة تتطلب القدرة على محبة المختلفين عنا، واحتمال من لا يقدرون تعبنا، والفرح بنجاح الآخرين بعيدًا عن الغيرة السلبية.
ودعا الآباء الكهنة والخدام إلى التمسك بروح الأبوة الحقيقية، وأن يبدأوا يومهم بالصلاة طالبين من الله أن يمنحهم روح الأبوة في التعامل مع أبنائهم.
وأكد قداسته أن العالم اليوم يعاني احتياجًا شديدًا إلى المحبة، رغم التطور التكنولوجي وتعدد وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن التواصل الإنساني البسيط، والكلمة الطيبة، والسؤال عن الآخرين والاطمئنان عليهم، أمور تمنح النفس شبعًا وراحة. وروى موقف سيدة كانت تتمنى أن يرن هاتفها ليجد من يسأل عنها، في صورة تعكس احتياج الإنسان إلى الاهتمام والمحبة.
«كن قدوة في الروح».. لا تتوقف عن النمو مهما طالت سنوات الخدمة
وانتقل البابا إلى الحديث عن القدوة في الروح، موضحًا أن المقصود بها الحيوية الروحية وروح الشباب والنشاط والرجاء، محذرًا من أن يستسلم الإنسان لتقدم العمر أو طول سنوات الخدمة، فيظن أنه أدى رسالته ولم يعد أمامه ما يقدمه.
وأشار إلى عبارة يتعلمها الرهبان، وهي أن يكتب الراهب على باب قلايته من الداخل: «اذكر أول يوم دخلت فيه الدير»، حتى يستعيد مشاعر البداية وما ارتبط بها من حماس واشتياق ورجاء.
واستشهد بقول بولس الرسول: «حارين في الروح، عابدين الرب»، داعيًا الآباء الكهنة إلى استمرار ارتباطهم بفصول الأطفال والشباب، والمشاركة في خدمتهم من وقت إلى آخر، لما تمنحه هذه المشاركة من حيوية وتجدد روحي.
وروى موقفًا لأحد الآباء الكهنة الذي أمضى سنوات طويلة في الخدمة، وعندما سأله عن آخر مرة دخل فيها فصلًا لمدارس الأحد، أجابه بأنها كانت قبل ثلاثين عامًا، معلقًا على ذلك بأهمية استمرار التواصل مع الأجيال الجديدة، والتعلم من نشاطهم وبساطتهم.
كما استشهد بقول بولس الرسول: «أذكرك أن تضرم أيضًا موهبة الله التي فيك»، وبكلمات المزمور: «كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله»، مؤكدًا ضرورة أن تظل النفس متقدة بالاشتياق إلى الله والعمل والخدمة، ومتمسكة بالأمل والاستمرار في النمو.
الإيمان الحقيقي.. ثقة في تدبير الله حتى عندما لا نرى الحل
وفي تناوله للقدوة في الإيمان، أوضح البابا تواضروس الثاني أن الإيمان لا يقتصر على ترديد قانون الإيمان أو الحديث عن الثقة بالله، بل يظهر بصورة حقيقية عندما تضيق الأمور وتشتد الصعوبات، ويواجه الإنسان مواقف تبدو بلا حلول واضحة.
وقال إن الخدمة قد تضعنا أمام أشخاص يعانون من مشكلات روحية صعبة، ونحاول مساعدتهم وتقريبهم إلى الله، بينما نواجه مقاومة وتحديات، وهنا تظهر الحاجة إلى الإيمان الحقيقي والثقة في عمل الله، مستشهدًا بقول بولس الرسول: «لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان».
وروى قداسته قصة عن مجموعة من الأقباط أرادوا بناء كنيسة على قطعة أرض اشتروها، لكنهم فوجئوا بأن مستوى الأرض منخفض عن الطريق، وأن رفعه يحتاج إلى تكلفة كبيرة، إلى جانب تكلفة البناء. وبينما اقترح البعض بيع الأرض والبحث عن بديل، تمسك آخرون بها، ثقةً في أن الله سيفتح طريقًا للحل.
وبعد نحو عام ونصف من الصلاة والانتظار، تواصلت معهم البلدية، عارضةً إلقاء ناتج أعمال الحفر والردم الخاصة بمشروع إنشاء كوبري في أرضهم، مقابل مبلغ مالي يساعدهم على استكمال ما يحتاجون إليه.
وأشار البابا إلى أن القصة تكشف كيف قد يأتي التدبير الإلهي من طريق لم يكن الإنسان يتوقعه، مؤكدًا أن الإيمان يمنح القوة والرجاء حتى عندما لا تظهر الحلول أمامنا.
وأضاف أن قصص عمل الله في حياة الناس لا تنتهي، وأن كل أب كاهن وكل خادمة لديه مواقف اختبر فيها تدبير الله بطريقة تفوق توقعاته. واستشهد بالقول الإنجيلي: «كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان»، موضحًا أن هذه الآية أصبحت شعارًا شخصيًا له في مواقف القلق والخوف.
وروى أن أب اعترافه، الذي كان رئيسًا للدير، كرر عليه هذه الآية عندما شعر بالقلق عقب اختيار القرعة، فكانت كلماته مصدر طمأنينة وقوة له، ومنذ ذلك الوقت أصبح يستدعيها كثيرًا في حياته، داعيًا الجميع إلى إراحة قلوبهم والثقة في قدرة الله على تدبير الأمور.
الطهارة.. نقاوة في العلاقات والمعاملات والمقابلات
وفي حديثه عن القدوة في الطهارة، أوضح البابا أن الطهارة تعني النقاوة، مستشهدًا بوصية بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: «احفظ نفسك طاهرًا»، مؤكدًا أن هذه الوصية تتطلب يقظة مستمرة في ثلاثة مجالات أساسية: العلاقات، والمعاملات، والمقابلات.
وأوضح أن طبيعة خدمة الأب الكاهن تجعله على اتصال بأعداد كبيرة من الأشخاص، وهو ما يستلزم الحكمة في إدارة العلاقات، والانتباه إلى طبيعة المكالمات الهاتفية والأحاديث، وعدم السماح باستنزاف الوقت أو الدخول في مواقف غير مناسبة.
كما شدد على ضرورة أن تقوم المعاملات على الأمانة والاستقامة، وأن يحافظ الكاهن والخادم على نقاوة القلب والسلوك في مختلف اللقاءات، سواء داخل الكنيسة أو خارجها.
واستشهد بموقف يوسف الصديق عندما تعرض للتجربة، فقال: «كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟»، موضحًا أن وعي يوسف بخطورة الموقف وحرصه على علاقته بالله جعلاه يتمسك بالطهارة.
ودعا قداسته الآباء إلى الانتباه إلى حياتهم وبيوتهم وأبنائهم وبناتهم، مؤكدًا أن مسؤولية القدوة تشمل الحفاظ على سلامة الحياة الأسرية والكنسية ورعاية الشعب كله.
بركات القدوة.. أن تقود إلى المسيح وتصنع قدوات جديدة
وتوقف البابا تواضروس الثاني أمام بركات القدوة، موضحًا أنها تظهر في التأثير الذي تتركه في حياة الآخرين، حتى من خلال تصرفات صغيرة قد لا ينتبه إليها صاحبها.
وروى موقفًا من مؤتمر لإعداد خدام القرى في دمنهور، شارك فيه نحو مائتي شاب وفتاة، حيث سأل المشاركين عن أكثر ما أثر فيهم خلال أيام المؤتمر. وكانت إجابة إحدى الفتيات أنها تأثرت بخادمة كانت ترفع الكرسي بهدوء عند ترتيب المائدة بدلًا من جرِّه على الأرض وإحداث ضوضاء.
وأكد أن هذا الموقف البسيط ترك أثرًا عميقًا في الفتاة، موضحًا أن القدوة قد تكون أكثر تأثيرًا من كلمات كثيرة، لأن الناس يلاحظون التفاصيل الصغيرة ويستدلون منها على طبيعة الإنسان وعلاقاته بالآخرين.
وأشار إلى أن أبناء الكنيسة يراقبون تصرفات الآباء والخدام، وقد يستنتجون من بعض الإشارات أو المواقف وجود محبة أو خلاف بين شخصين، وهو ما يستدعي الانتباه إلى أثر السلوك اليومي في نفوس المخدومين.
البركة الأولى: أن تجذب القدوة الناس إلى المسيح، لا إلى الشخص.
وأوضح البابا أن القدوة الحقيقية لا تجعل الخادم محور الاهتمام، بل تقود الناس إلى المسيح، مشددًا على الفرق بين الأبوة الحقيقية والسعي وراء الشعبية أو الشهرة.
واستشهد بقول يوحنا المعمدان: «ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص»، مؤكدًا أن الهدف من الخدمة هو أن يزداد حضور المسيح في حياة الآخرين، وأن يروا محبته من خلال حياة الأب الكاهن أو الخادمة وسلوكهما.
البركة الثانية: أن تصنع القدوة قدوات أخرى.
واستشهد قداسته بقول بولس الرسول لتيموثاوس: «وما سمعته مني بشهود كثيرين، أودعه أناسًا أمناء، يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا»، موضحًا أن القدوة تنتقل من شخص إلى آخر، وتتسع دائرة تأثيرها، كما تتسع الدوائر التي يصنعها حجر يُلقى في الماء.
وروى موقفًا من فترة خدمته في الدير، عندما كان مسؤولًا عن استقبال الزوار والرحلات، مشيرًا إلى اختلاف سلوك مجموعات القرى؛ فبينما كانت إحدى المجموعات تحافظ على تجمعها ونظامها خلال الزيارة، كانت مجموعة أخرى تتفرق في أرجاء الدير رغم أن عدد أفرادها بلغ نحو خمسين شخصًا.
وأوضح أن هذا الاختلاف يعكس أثر التربية والتوجيه، وأن دور الأب الكاهن لا يقتصر على اصطحاب الناس في الرحلات، بل يمتد إلى بناء سلوكهم وتعليمهم النظام والمسؤولية.
البركة الثالثة: أن تستمر القدوة حتى بعد رحيل أصحابها.
وأكد البابا أن تأثير القدوة لا ينتهي بانتهاء حياة صاحبها، بل يستمر في نفوس تلاميذه وأبنائه الروحيين، الذين يظلون يذكرون ما تعلموه منه ويقتدون بإيمانه وسيرته.
واستشهد بقول الكتاب المقدس: «اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله، انظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بإيمانهم»، مشيرًا إلى أن أعظم بركات القدوة أن تمجد اسم الله، وتجعل الآخرين يرون أعمالًا صالحة تقودهم إلى تمجيده، بحسب قول السيد المسيح: «فليضئ نوركم قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات».
المسيح النموذج الكامل.. والقدوة تبدأ من المواقف الصغيرة
وفي ختام تأمله في قانون القدوة، أوضح البابا تواضروس الثاني أن السيد المسيح قدم نموذجًا عمليًا للتواضع عندما غسل أرجل تلاميذه، فلم يكتفِ بالتعليم بالكلمات، بل قدم درسًا حيًا بالفعل.
كما أشار إلى محبة المسيح التي أحب بها خاصته إلى المنتهى، مؤكدًا أن القدوة الحقيقية تجمع بين العمل الظاهر والمحبة الداخلية، وأن تأثيرها يصل إلى الأطفال والشباب والخدام والكبار والشعب كله.
وشدد على أن القدوة تُختبر في المواقف الصغيرة قبل الكبيرة، مثل السيطرة على الغضب، والاعتراف بالخطأ، والاعتذار عند التقصير، والتعبير عن المحبة والاهتمام بالآخرين.
واستشهد بقول الكتاب المقدس: «كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير»، موضحًا أن الأمانة في التفاصيل اليومية تمهد لتحمل المسؤوليات الأكبر. كما أشار إلى أهمية أن يكون الأب الكاهن مدبرًا بيته حسنًا، لأن الأسرة تمثل الدائرة الأولى التي تظهر فيها قدرته على تحمل المسؤولية وحسن التدبير.
وأكد قداسته أن حياة الأب الكاهن ليست شأنًا شخصيًا فحسب، إذ تؤثر كلماته وقراراته ومشورته في حياة كثيرين، ولذلك ينبغي أن يزن كلامه بعناية، وأن تكون حياته متوافقة مع ما يوصي به الآخرين.
واستشهد بأقوال للقديس يوحنا ذهبي الفم والقديس غريغوريوس الكبير والقديس غريغوريوس النزينزي، لتأكيد أن المعلم ينبغي أن يكون نموذجًا حيًا للسلوك المسيحي، وأن الكلمة تكون أكثر تأثيرًا عندما تسندها حياة المتكلم، وأن على الإنسان أن يتطهر ويقترب من الله أولًا قبل أن يقود الآخرين إليه.
واختتم البابا العظة بالتأكيد على أهمية أن يروض الخادم نفسه للتقوى، وأن يداوم على النمو الروحي والتعليم والعمل، مستشهدًا بوصية بولس الرسول: «أوصِ بهذا وعلِّم»، ومشددًا على أن قانون القدوة من القوانين الأساسية في حياة كل خادم، وبالأكثر في حياة الأب الكاهن والأب الأسقف.
واختتم قداسته بالصلاة من أجل أن يحفظ الله الآباء الكهنة وأسرهم، ويبارك حياتهم وخدمتهم، وأن يكونوا قدوات صالحة تقود الجميع إلى المسيح.