دعا السفير مهند العكلوك، مندوب دولة فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية، المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة إدانة الانتهاكات الإسرائيلية إلى اتخاذ إجراءات عملية ورادعة، تشمل فرض العقوبات والمقاطعة السياسية والاقتصادية، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وتجريم الاستيطان الاستعماري، وإدراج عصابات المستوطنين على قوائم الإرهاب الوطنية والإقليمية والدولية، مؤكداً أن استمرار الجرائم الإسرائيلية يتطلب موقفاً دولياً يتجاوز التصريحات والمواقف اللفظية.
جاءت تصريحات العكلوك خلال دورة غير عادية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، خُصصت لبحث آليات توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في مواجهة ما وصفه بجرائم العدوان والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأعرب العكلوك عن تقدير دولة فلسطين لمواقف الدول العربية وتجاوبها مع طلب عقد الدورة، مشيراً إلى أن الفلسطينيين يواجهون واقعاً إنسانياً وسياسياً بالغ القسوة، في ظل استمرار الاعتداءات على قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، واستهداف المدنيين ومنازلهم ومزارعهم ودور عبادتهم ومدارسهم ومستشفياتهم.
وقال العكلوك إن المشاهد اليومية القادمة من قطاع غزة تكشف استمرار المأساة الإنسانية، في ظل ما وصفه بمواصلة الإبادة الجماعية بمختلف أدواتها، بالتوازي مع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، واستهداف الأطفال والنساء وكبار السن، إلى جانب تدمير الممتلكات والمقومات الأساسية للحياة.
وأضاف أن هذه المشاهد أسهمت في كشف حقيقة السياسات الإسرائيلية أمام شعوب العالم، وأظهرت، بحسب تعبيره، مدى تجاهل إسرائيل للقانون الدولي وحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة والقيم الإنسانية.
وأشار إلى أن قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي باتت تدرك أن معارضة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تعني معاداة السامية أو كراهية اليهود، مؤكداً أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية ومحاسبتها على انتهاكاتها لا ينبغي أن يُخلط بالعداء الديني أو العرقي.
ولفت إلى أن يهوداً في دول مختلفة أعلنوا تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ورفضوا تحميلهم مسؤولية الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، في وقت يشهد فيه العالم اتساعاً ملحوظاً في حملات التضامن مع الفلسطينيين والمطالبة بإنهاء الاحتلال.
واعتبر العكلوك أن التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية بلغ مستويات غير مسبوقة، لكنه لم يترجم حتى الآن إلى خطوات كافية لوقف الجرائم الإسرائيلية أو إنهاء الاحتلال، مشيراً إلى أن إسرائيل واصلت سياساتها رغم الرسائل والانتقادات الدولية المتكررة.
وأوضح أن إسرائيل استفادت، على مدى عقود، من ازدواجية المعايير والحصانة السياسية، ومن تقديم نفسها باعتبارها الضحية الكبرى وواحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، إلا أن هذه الصورة بدأت تتراجع أمام حجم الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ورأى أن هناك تحولات في مواقف دول وشعوب في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، مستشهداً بمواقف إسبانيا وأيرلندا والنرويج، إلى جانب تحركات في فرنسا وبريطانيا، معتبراً أن اتساع دائرة الانتقادات الدولية يمثل مؤشراً على تغير النظرة إلى السياسات الإسرائيلية.
وتطرق إلى الموقف البريطاني، مشيراً إلى أن بريطانيا، التي ارتبط اسمها تاريخياً بوعد بلفور، اتخذت مواقف انتقادية تجاه إسرائيل وحاولت ممارسة ضغوط عليها من خلال التصريحات وبعض الإجراءات، وفق ما أورده في كلمته.
وأضاف أن إسرائيل ردت، بحسب قوله، بإغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس، التي يعود تأسيسها إلى ما قبل قيام إسرائيل بنحو 122 عاماً، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس رفض الحكومة الإسرائيلية للضغوط الدولية.
وشدد العكلوك على أن المرحلة الراهنة تتطلب فرض عقوبات ومقاطعة إسرائيل، وعدم الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة، مؤكداً أن وقف العدوان وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني يحتاجان إلى إجراءات ملموسة ترفع كلفة استمرار الانتهاكات.
وقال إن محاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو مثوله أمام القضاء الدولي، لن تكون وحدها كافية لإحداث تغيير دائم في السياسات الإسرائيلية، إذا لم تترافق مع إجراءات تستهدف منظومة الاحتلال والاستيطان والعقلية المتطرفة التي وصفها بأنها أصبحت متجذرة في قطاعات من المجتمع الإسرائيلي.
واستشهد بتجربة جنوب أفريقيا، معتبراً أن العقوبات والمقاطعة الدوليتين أسهمتا في إسقاط نظام الفصل العنصري، ومهدتا الطريق أمام تحول البلاد إلى نموذج للنضال من أجل الحرية والمساواة.
وأكد أن تجريم الاستيطان الاستعماري وإدراج عصابات المستوطنين على قوائم الإرهاب يمثلان جزءاً أساسياً من أي تحرك دولي جاد، في ظل اتهامات فلسطينية للحكومة الإسرائيلية بتوفير الحماية والدعم للمستوطنين المتورطين في الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وفي سياق حديثه عن أهداف السياسات الإسرائيلية، أشار العكلوك إلى خطة طرحها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017، قال إنها أصبحت، بحسب تقديره، جزءاً من برنامج حكومة الاحتلال، وتضع الفلسطينيين أمام خيارات تشمل القتل أو التهجير أو الخضوع لواقع تمييزي.
وأكد أن الفلسطينيين لن يتخلوا عن أرضهم، وأن محاولات التهجير القسري في قطاع غزة والضفة الغربية لن تنجح في اقتلاعهم من وطنهم، مشدداً على تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه الوطنية رغم استمرار الحرب والضغوط.
نحو ألف حاجز يعزل الضفة الغربية
وفي استعراضه للأوضاع الميدانية في الضفة الغربية المحتلة، قال العكلوك إن إسرائيل أقامت ما يقارب ألف حاجز عسكري وبوابة وساتر ترابي ومكعب إسمنتي، بهدف تقييد حركة الفلسطينيين وتحويل مناطق الضفة إلى تجمعات منفصلة يصعب التنقل بينها.
وأوضح أن هذه الإجراءات تؤثر في حياة نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني، وتعرقل وصولهم إلى المدارس وأماكن العمل والمزارع والمستشفيات، فضلاً عن تقويض قدرتهم على التواصل مع عائلاتهم ومجتمعاتهم.
وأضاف أن نحو 825 ألف مستوطن إسرائيلي يعيشون في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ضمن قرابة 200 مستعمرة وأكثر من 350 بؤرة استيطانية، وفق الأرقام التي عرضها في كلمته.
واتهم العكلوك الحكومة الإسرائيلية بتسليح مجموعات من المستوطنين وتوفير الحماية لها، مشيراً إلى أن اعتداءاتها تشمل إحراق الممتلكات والقتل والتخريب والاستيلاء على الأراضي وترهيب السكان، بهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم وبلداتهم وحقولهم.
وقال إن كثيراً من هذه الاعتداءات يجري بحضور جيش الاحتلال أو تحت حمايته، وإن هناك حالات يشارك فيها المستوطنون والجنود في ممارسات تستهدف الفلسطينيين، في مقابل تعرض الفلسطينيين، بحسب قوله، للقتل أو الاعتقال عندما يحاولون الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.
وكشف أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية وثقت أكثر من 5500 اعتداء نفذتها مجموعات المستوطنين منذ مطلع عام 2026، وأسفرت عن استشهاد 30 فلسطينياً، وفق البيانات التي استند إليها في كلمته.
كما تطرق إلى مشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في عملية هدم مبانٍ بحي الطور في القدس المحتلة، قائلاً إن الوزير ظهر على جرافة إسرائيلية خلال عمليات الهدم التي أدت إلى فقدان أكثر من 70 فلسطينياً مساكنهم.
واعتبر العكلوك أن هذه الممارسات تتجاوز الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، وتعكس سياسة هدم تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس والضفة الغربية، مشيراً إلى أن تصاعد الخطاب المتطرف والاعتداءات الميدانية يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الفلسطينيين في المناطق المهددة بالاستيطان.
واستشهد ببيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، التي قال إنها وثقت هدم 86 مبنى في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 21 سبتمبر، أي خلال أقل من أسبوع، في مؤشر على استمرار عمليات الهدم وتداعياتها الإنسانية.
وتوقف العكلوك عند موسم قطاف الزيتون الذي يحل خلال شهر أكتوبر، معتبراً أنه يمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الفلسطينية، وليس مجرد نشاط زراعي، لما تحمله شجرة الزيتون من ارتباط بالأرض والتراث والاقتصاد العائلي.
وقال إن المزارعين الفلسطينيين يواجهون خلال الموسم اعتداءات متزايدة من المستوطنين وجنود الاحتلال، تشمل منعهم من الوصول إلى أراضيهم، وإحراق الأشجار وتكسيرها وتجريفها، إلى جانب الاعتداء الجسدي والاعتقال وسرقة المحاصيل.
وأضاف أن هذه الممارسات تحرم العائلات الفلسطينية من مصدر مهم للدخل، وتفاقم الأعباء الاقتصادية التي تعانيها القرى والبلدات المستهدفة بالاستيطان، فضلاً عن استهداف العلاقة التاريخية بين الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية.
وأشار إلى أن البيانات الرسمية لوزارة الزراعة الفلسطينية أظهرت تضرر أكثر من 98 ألفاً و293 شجرة منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية سبتمبر، فيما تُقدّر الخسائر الناجمة عن إتلاف محصول الزيتون بنحو 157 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفق الأرقام التي أوردها.
وأكد أن حماية موسم الزيتون تتطلب تحركاً دولياً يمنع الاعتداءات على المزارعين وأراضيهم، ويضمن حقهم في الوصول إلى ممتلكاتهم وجني محاصيلهم دون تهديد أو ترهيب.
ومن منبر جامعة الدول العربية، دعا العكلوك الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، استناداً إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية، واتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال.
وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ووضع حد للاعتداءات على المدنيين، ووقف التوسع الاستيطاني، وضمان احترام الحقوق الفلسطينية في الأراضي المحتلة.
وأكد أن استمرار الاكتفاء بالإدانات لا يوفر الحماية اللازمة للفلسطينيين، ولا يمنع تكرار الاعتداءات، داعياً الدول إلى استخدام أدواتها السياسية والاقتصادية والقانونية للضغط على إسرائيل من أجل وقف سياساتها وإنهاء احتلالها.
وفي ملف القدس، حذر العكلوك من الخطوة التي قال إن كولومبيا تعتزم اتخاذها بافتتاح سفارة لها في المدينة يوم الأربعاء 14 أكتوبر، معتبراً أن نقل السفارات إلى القدس يمثل انتهاكاً للوضع القانوني الدولي للمدينة ولقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
واستند في موقفه إلى قراري مجلس الأمن رقم 476 ورقم 478 الصادرين عام 1980، إلى جانب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالقدس، مؤكداً أن الإجراءات الأحادية لا تغير من الوضع القانوني للمدينة.
وأعرب عن أسفه لما وصفه بتراجع الموقف الكولومبي، محذراً من أن هذه الخطوة تمس المصالح العربية والإسلامية، ولا تقتصر تداعياتها على الجانب القانوني والسياسي وحده.
وقال إن غياب ردود عربية حاسمة على الدول التي سبقت إلى نقل سفاراتها إلى القدس شجع، بحسب تقديره، دولاً أخرى على السير في الاتجاه نفسه، مشيراً إلى الولايات المتحدة وغواتيمالا وهندوراس وبابوا غينيا الجديدة وناورو.
كما حذر من أن كولومبيا قد لا تكون الدولة الأخيرة التي تقدم على هذه الخطوة، لافتاً إلى ما وصفه باتجاه الأرجنتين نحو موقف مماثل، وداعياً الدول العربية إلى التحرك لمنع اتساع نطاق الاعترافات والإجراءات التي تتعارض مع القرارات الدولية بشأن القدس.
وطالب بتنفيذ قرارات القمم العربية المتعلقة بالدول التي تنقل سفاراتها إلى المدينة، مشيراً إلى أن هذه القرارات تتضمن إجراءات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية رادعة، يتعين تفعيلها لحماية المصالح العربية والحفاظ على المكانة القانونية للقدس.
فلسطين تتمسك بإنهاء الاحتلال
واختتم العكلوك كلمته بالتأكيد أن دولة فلسطين ستواصل العمل مع الدول والشعوب المتمسكة بالسلام والقانون الدولي، من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإزالة آثاره ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني.
وشدد على أن وقف الجرائم الإسرائيلية يتطلب إرادة دولية حقيقية، تترجم المواقف المعلنة إلى إجراءات عملية، وتضمن المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وتوفر الحماية للمدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.