وكان المشهد يحمل مفارقة شديدة التأثير؛ جسد الكاهن الذي اعتاد أن يقف أمام المذبح ويصلي من أجل أبنائه، أصبح اليوم موضوع صلاة الكنيسة، وأبناؤه الذين اعتادوا أن يسمعوا منه كلمات الرجاء، أصبحوا اليوم يسمعون الكنيسة تعلن لهم الرجاء ذاته.

وفي عظته خلال صلاة الجناز، تحدث نيافة الأنبا توماس عن مشاعر الوداع، قائلًا إن الجميع يجتمعون اليوم لتوديع أبونا الحبيب إسحاق، قد نجد أنفسنا أمام مشاعر مضطربة، وقد نجد أنفسنا أمام عقل حائر، ولكن حينما ننظر إلى النفس المنطلقة، التي خلعت جسد هذا العالم وانطلقت إلى الأبدية، نجد نفسًا تنطلق، نفسًا تخلع محدودية الجسد.

وأضاف أن الإنسان حينما يخلع محدودية الجسد، تنفتح أمامه آفاق مختلفة، ويصبح أمام معرفة أعمق لحقيقة الحياة وحقيقة نفسه، قائلًا: «أول اتساع هو أن يجد الإنسان أمامه المعرفة، ويعرف حقيقة الحياة وحقيقة نفسه. تنطلق هذه النفس لتجد أمامها مجد الله، تجد هذه النفس واقفة أمام عرش الله، المسيح الإله الديان جالسًا على عرشه، وتقف هذه النفس أمام الديان العادل».

وتابع نيافته متأملًا في صورة المسيح المنطبعة في الإنسان: «حينما يجد المسيح صورته، صورة المسيح، منطبعة في هذه النفس، حينما تسمع هذه النفس: لا شيء من الدينونة على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين بحسب الروح وليس بحسب الجسد. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك».

وتساءل الأنبا توماس: «أي كرامة؟ وأي فرح للنفس؟ وأي سلام في كل هذه المواقف؟ فهذا هو السلام الحقيقي الذي لا يستطيع أحد أبدًا أن ينزعه منا».
وأكد أن فرح الأبدية هو الفرح الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه، مستشهدًا بقول المسيح: أراكم فتفرحون ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم.
وقال: أبونا إسحاق الآن يقف في هذه الحالة الفريدة، يجد نفسه أمام هذا المجد العظيم، ويُكلَّل بالفرح الذي لا يستطيع أحد أن ينزعه منه. لا مرض، ولا تعب، ولا معاناة. يستريح تمامًا، ويفرح إلى الأبد.

وأضاف أن هذا هو عزاء الكنيسة وأبنائها: وهذا هو عزاؤنا. نعم، هذا هو عزاؤنا: أنه يرسل لنا تعزية من السماء، ويقول لنا إنه في هذا الفرح الدائم، في هذا السلام الذي يفوق كل عقل، في هذا المجد الذي يُكلَّل به أولاد الله السالكون بحسب الروح.
ثم انتقل نيافته إلى الرسالة التي تركها أبونا إسحاق في حياته، قائلًا إن رحيله يحمل أيضًا دعوة للأحياء:

وهو يرسل لنا أيضًا رسالة أخرى، وكأنه يقول لنا: تماثلوا بي. أبونا إسحاق عاش بيننا باتضاع، بمحبة، خادمًا أمينًا، سعى دائمًا للخدمة، وتميز تميزًا غير طبيعي بخدمته. أنا شخصيًا كنت أستمتع جدًا بلقائه، وأرى فيه صورة المسيح.
وأوضح الأنبا توماس أن الإنسان حين تنطبع فيه صورة المسيح، تصبح حياته مكللة بمجد الله، مشيرًا إلى أن أبونا إسحاق كان يتميز بإدراك حضور الله في حياته:
حينما تنطبع صورة المسيح في وجه إنسان، نجد أن هذا الإنسان حياته جميعها مكللة بمجد الله. كان يتميز بإدراك الحضور الإلهي في حياته. أدرك حضور الله، وبالتالي عاش حياته مسوقًا باستقامة: استقامة حياة، استقامة فكر، استقامة طريق، استقامة كلمة.
وتابع: «عاش بهذه الاستقامة، وعاش بهذه التقوى: الله حاضر أمامه، واضعًا الله دائمًا في حياته. احتمل المرض، وأعطى لنا مثالًا في الشكر. كان يشكر دائمًا، فما من شخص يقابله إلا ويجده فرحًا ومبتسمًا، لأنه كان يعيش في الحضور الإلهي».
وأكد نيافته أن حياة أبونا إسحاق تقدم نموذجًا ينبغي أن يقتدي به الجميع، قائلًا: «لأن أبونا إسحاق يترك لنا مثالًا لكي نحتذي به. انظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بإيمانهم. إنه عاش دائمًا يتغير إلى تلك الصورة عينها، لكي تنطبع فيه صورة المسيح. يدرك تمامًا أنه لابد لنا جميعًا أن نتغير إلى تلك الصورة، ويدرك وهو الآن أمام عرش النعمة أنه قد اختير منذ الأزل لهذا المجد».
واختتم الأنبا توماس كلمته برسالة رجاء وفرح، قائلًا: نفرح اليوم لأن الله قد أوجد لنا في هذا العصر هذه الصورة وهذا المثال. إننا نقدم التعزية، ولكن تعزيتنا التي هي في الروح. نحن في المسيح ننال الفرح، وفرحة الأبدية لا يستطيع أحد أن ينزعها».
ثم وجه حديثه إلى أبونا إسحاق: هنيئًا لك أبونا إسحق بهذه الأبدية. أكملت السعي، وصلي من أجلنا لكي نكمل نحن أيضًا سعينا ونصل إلى الملكوت.
ثم تحدث القمص أنجليوس رشدي، ملاك كنيسة السيدة العذراء بأرض الجولف، بكلمة رثاء حملت بين طياتها آيات من الكتاب المقدس، واستعرض خلالها ملامح من حياة أبونا القس إسحاق نبيه وخدمته، وما تميز به من صفات روحية وإنسانية جعلت منه راعيًا قريبًا من قلوب أبنائه، مؤكدًا أن هذه الصفات لم تفارق أبونا الحبيب طوال سنوات خدمته، وظلت حاضرة في حياته حتى لحظاته الأخيرة
وفي كلمات مؤثرة، تحدث أندرو أمير، الابن بالجسد للأب المبارك القس إسحاق نبيه، عن والده، قائلًا: عندما اختار اسم «إسحاق» في الكهنوت، اختاره تعبيرًا عن الرسالة التي أراد أن يعيشها، فإسحاق بالنسبة له كان اسمًا مرتبطًا بالفرح والابتسامة، وكان يريد أن يعيش بكهنوته مع أبنائه حياة مملوءة بالفرح.
وأضاف: بابا كان حضنه واسعًا، أي حد يروح له تعبان يرجع مرتاح، وعنده سلام. حتى لو المشكلة لسه ما اتحلتش، كان بيطمن الإنسان ويديه إحساس إن كل شيء هيكون بخير.
وتابع واصفًا والده: بابا كان خادم ناري، زي ما قال عنه أنبا بولس: A fiery servant ، والحقيقة إن دي كانت عطية من ربنا. والجميل إنه كان دايمًا مشجع؛ مفيش حد يشوفه إلا ولازم يقوله: أنت ابني الغالي، وإنتِ بنتي الغالية.
وأكد أن والده لم يكن يترك من يلتقي بهم دون كلمة تشجيع أو لمسة محبة، مشيرًا إلى أن ابتسامته لم تكن مجرد ملامح في وجهه، بل كانت جزءًا من رسالته في الحياة والخدمة، ومن الطريقة التي احتضن بها أبناءه.
واختتم أندرو كلمته برسالة تركها والده لأبنائه، قائلًا: بابا النهارده سايب رسالة لينا كلنا: إن عينينا تفضل للسما. وزي ما لحد آخر لحظة في حياته كانت عينه على السما، لازم إحنا كمان أولاده نعيش وعينينا للسما..
وفي ختام صلاة الجناز، وباسم الكنيسة، كهنة وشمامسة وخدامًا وشعبًا، تقدم القس بيشوي إدوار بخالص الشكر والتقدير لقداسة البابا تواضروس الثاني، لما أحاط به الكنيسة والأسرة من محبة أبوية وتعزية خاصة، وحرص قداسته على الصلاة من أجل الكنيسة والأسرة في هذه اللحظات.
كما وجه الشكر إلى الآباء الأساقفة الذين أوفدوا مندوبين عنهم في الصلاة ولتقديم التعزية، وفي مقدمتهم نيافة الأنبا يوأنس، مطران أسيوط وسكرتير المجمع المقدس، ونيافة الأنبا يسطس، أسقف ورئيس دير القديس الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ونيافة الأنبا دانيال، أسقف ورئيس دير القديس الأنبا بولا بالبحر الأحمر، ونيافة الأنبا جوارجيوس، أسقف مطاي.
كما أعربت الكنيسة عن خالص امتنانها للآباء المطارنة والأساقفة أعضاء المجمع المقدس، الذين حرصوا على التواصل هاتفيًا لتقديم واجب العزاء، من مختلف أرجاء الكرازة المرقسية، تقديرًا لمسيرة القس إسحاق نبيه وخدمته المثمرة وعلاقاته الممتدة مع مختلف الإيبارشيات.
وامتد الشكر إلى جميع القيادات السياسية والتنفيذية والشعبية، ومختلف الجهات والمؤسسات والأحزاب، وكل من شارك بالحضور أو أرسل برقية تعزية أو تواصل هاتفيًا لمشاركة الكنيسة والأسرة مشاعر الفقد.
كما وجهت الكنيسة الشكر إلى جميع المنصات والوسائل الإعلامية التي حرصت على نقل وتغطية مراسم وداع القس إسحاق نبيه، وإبراز مشهد الصلاة والوداع ومشاركة الكنيسة وأبنائها في هذه اللحظات، تقديرًا لكل من ساهم في توثيق مسيرته ووداعه الأخير بين أبنائه ومحبيه.
ومع انتهاء صلوات الجناز، اقتربت اللحظة التي بدا فيها أن الكنيسة كلها تتوقف أمامها؛ لحظة إغلاق الصندوق، حيث كان أبناؤه ومحبوه يلقون نظراتهم الأخيرة من قريب وعن بعد، وكأن كل واحد منهم يحاول أن يحتفظ في ذاكرته بآخر صورة للكاهن الذي عاش بينهم أبًا وراعيًا وصديقًا.
ثم حمل الجثمان في مشهد مهيب، وسط الصلوات والألحان، ليجتاز الطريق داخل المذبح ثم الكنيسة التي شهدت سنوات خدمته؛ الكنيسة التي دخلها كاهنًا يحمل البخور والصليب، ووقف على مذبحها يصلي من أجل أبنائه، ويعمد أطفالهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويستقبلهم بابتسامته المعهودة.
وفي آخر المشهد، عاد أبونا إسحاق إلى المكان الذي عاش فيه سنوات خدمته؛ إلى الهيكل، ثم إلى صحن الكنيسة التي أحبها وأحبته.
لكن هذه المرة لم يكن هو من يقف أمام المذبح ليصلي من أجل أبنائه، بل كان أبناؤه هم الذين يرفعون الصلاة من أجله، بينما بقيت ابتسامته حاضرة في الذاكرة، وبقي في كل خبر ننقله لكم اللقب الذي شعرنا به ونحن بجوار كل من عاصروا خدمته فهو “الكاهن البشوش”.
رحل بجسده، لكنه ترك لأبنائه ما عاش يمنحه لهم: فرحًا لا ينطفئ، ورجاءً لا ينكسر، وإيمانًا بأن النهاية ليست فراقًا، بل عبور إلى فرح سيده…