تواصل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الصوم الكبير، والذي بدأ في 16 فبراير، ويستمر حتى 12 أبريل المقبل بالاحتفال بعيد القيامة، إذ تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مساء 11 ابريل بقداس عيد القيامة المجيد.
تاريخ الصوم الأربعيني وتحديد موعد عيد القيامة في الكنيسة الأولى
قال الباحث الكنسي كيرلس كمال في تصريح خاص، إن الحديث عن الصوم الكبير في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية قليل جدًا في المصادر التاريخية، إذ إن أغلب المراجع كانت تشير بصورة أساسية إلى الصوم الذي يسبق عيد القيامة، دون تفصيل واضح لنظام الصوم الأربعيني كما هو معروف اليوم.
وأوضح أن الصوم الكبير في بداياته كان منفصلًا تمامًا عن الصوم الذي يسبق عيد القيامة. وتشير بعض المصادر إلى أن الآباء الرسل كانوا يصومون الأربعين المقدسة ابتداءً من اليوم الثاني لعيد الغطاس، أي في 12 طوبة حتى 22 أمشير، ثم كانوا يفطرون بعد ذلك، قبل أن يعودوا للصوم مرة أخرى في الجمعة العظيمة.
أما الصوم المرتبط بعيد القيامة فكان يختلف نظامه من كنيسة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى. ففي البداية كان الصوم يقتصر على يوم الجمعة العظيمة فقط، ثم أُضيف إليه صوم يوم السبت السابق لعيد القيامة. وكان هناك من يصوم مدة أربعين ساعة متواصلة، وهو صوم انقطاعي كامل دون تناول أي طعام.
ومع مرور الوقت وضعت كنيسة أورشليم نظام صوم يمتد أسبوعًا كاملًا إحياءً لذكرى آلام السيد المسيح. وعندما اعتبر الإمبراطور قسطنطين الأول هذه الأيام عطلة رسمية في الدولة، بدأ هذا التقليد ينتشر تدريجيًا في مختلف الكنائس، مستمدًا جذوره من طقس كنيسة أورشليم.
وظل الصومان منفصلين، أي الصوم الأربعيني وصوم الفصح، حتى عهد أثناسيوس الرسولي بطريرك الإسكندرية، الذي قام بضم الصومين معًا عام 334م، لتصبح مدتهما أربعين يومًا متصلة دون فاصل زمني، وهو ما يظهر بوضوح في رسائله الفصحية. واستمر هذا النظام حتى القرن الحادي عشر تقريبًا، حيث أصبح الصوم يمتد سبعة أسابيع، ثم تطور لاحقًا ليصل إلى ثمانية أسابيع، دون وجود نص تاريخي صريح يحدد سبب إضافة الأسبوع الثامن.
تحديد موعد عيد القيامة
وأشار الباحث إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لانعقاد مجمع نيقية الأول عام 325م كان الخلاف حول تحديد موعد عيد القيامة، وهو خلاف بدأ منذ القرن الثاني الميلادي. فقد اختلفت الكنائس حول ما إذا كان الاحتفال يتم في يوم 14 نيسان بالتزامن مع الفصح اليهودي، أم في يوم الأحد الذي يليه.
فقد اعتادت كنائس آسيا الصغرى الاحتفال بعيد القيامة في يوم 14 نيسان، وهو يوم الفصح اليهودي، باعتباره يوم صلب المسيح، بغض النظر عن اليوم الذي يوافقه من أيام الأسبوع. وعُرفت هذه الجماعة باسم “الأربعة عشريين”.
في المقابل، كانت كنائس الغرب، خاصة في روما والإسكندرية، تحتفل بالعيد يوم الأحد الذي يلي الفصح اليهودي. وبدأت هذه المناقشات نحو عام 155م بين بوليكاربوس أسقف سميرناالمؤيد للاحتفال في 14 نيسان، وأنسيتوس أسقف روما، وذلك أثناء زيارة بوليكاربوس لروما. ورغم الخلاف، لم يؤثر ذلك في روح المحبة والسلام بينهما.
وفي عهد فيكتور الأول، الذي كان يؤيد الاحتفال يوم الأحد التالي لـ14 نيسان، تصاعد الجدل، حتى دعا إلى عقد مجمع كنسي أصدر قرارًا بحرمان الذين يحتفلون بالعيد في 14 نيسان مع اليهود. غير أن تدخل إيريناوس أسقف ليون ساهم في تهدئة الخلاف ومنع حدوث انقسامات داخل الكنيسة.
وفي النهاية حسم مجمع نيقية الأول هذا الجدل، حيث تقرر أن يتولى بطريرك الإسكندرية تحديد موعد الصوم وعيد القيامة سنويًا من خلال الرسائل الفصحية، على أن يُحتفل بعيد القيامة في يوم الأحد الذي يلي الفصح اليهودي.