الأنبا بيجول لـ«وطني»: دير المحرق “أورشليم الثانية”.. ومكثت فيه العائلة المقدسة أطول فترة بمصر
–
– الأنبا بيجول: مشروع مسار العائلة المقدسة فرصة لوضع مصر على خريطة السياحة الروحية العالمية
في إطار السعي لتحويل مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة في مصر من رؤية واعدة إلى واقع ملموس ينعكس على الإنسان والمكان، تطلق «وطني» سلسلة حوارات خاصة مع أصحاب النيافة المطارنة والأساقفة في الإيبارشيات التي تضم نقاطًا على مسار العائلة المقدسة.
وتستهدف هذه الحوارات تقديم شهادة حية من الكنيسة في كل محطة من محطات الرحلة المباركة، ورصد الواقع الحالي للمناطق المحيطة بالأديرة والكنائس والمواقع الأثرية المرتبطة بالمسار، بما يشمله ذلك من احتياجات تنموية، ومتطلبات البنية التحتية، واحتياجات الصيانة والترميم والحفاظ على التراث.
كما تسعى سلسلة الحوارات إلى الوقوف على التحديات والفرص التي تواجه هذه المواقع، والاستماع إلى رؤى الرعاة والمسؤولين الكنسيين الذين يعيشون تفاصيل المكان يوميًا، ويشهدون عن قرب حجم ما تحقق من إنجازات وما يزال مطلوبًا لتحقيق الاستفادة القصوى من هذا المشروع القومي والروحي الفريد
إنها وقفة رصد وتقييم من قلب مواقع المسار، هدفها أن نجني ثمارًا واقعية على الأرض، وأن تتكامل جهود الكنيسة والدولة والمجتمع المدني حتى يرى مشروع مسار العائلة المقدسة النور بالصورة التي تليق بمكانة مصر، وتُرسخ موقعها على خريطة السياحة الروحية العالمية
وأول حلقة من هذه السلسلة كانت مع نيافة الحبر الجليل الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير المحرق بأسيوط، إحدى أهم النقاط على مسار العائلة المقدسة حيث مكثت العائلة هناك أطول مدة خلال رحلتها في أرض مصر.. وإليكم الحوار.
كيف يستغل مشروع مسار العائلة المقدسة لوضع مصر على الخريطة السياحية الروحية؟
مصر تنفرد بهذا المسار، لذا عليها أن تسعي لجذب أفواج السياحة الروحية إليها.. وفي الحقيقة تواجد واهتمام الدولة ليس قاصر على الاحتفالات فقط، بل جهود الدولة لتنمية نقاط المسار عبر السنوات الماضية سيأتي بعائد اقتصادي لبلدنا.. لذا نتمنى أن هذا المشروع يكون سبب خير وبركة لمصر.
نحن علينا دور لنظهر هذا اليوم العظيم ونذكر المجتمع من حولنا بهذه الرحلة الفريدة بقدوم العائلة المقدسة إلى أرض مصر.. فهذا مصدر فخر لنا جميعاً كمصريين.
لماذا يعتبر دير المحرق من أهم محطات مسار العائلة المقدسة في مصر؟
من بين المحطات التي زارتها العائلة المقدسة، دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام المحرق، هذا المكان الذي تشرفت أرضه بإقامة العائلة المقدسة فيه أطول مدة في الرحلة كلها، خلال رحلتها إلى أرض مصر، وتسلمته الكنيسة عبر التقليد الكنسي وكتابات الآباء خاصة ميمر البابا ثاؤفيلس الأول (البطريرك 23) من بطاركة الكرازة المرقسية.
إنه المكان الذي باركه السيد المسيح بنفسه ودشن مذبحه بيده المقدسة، ونحن في دير المحرق نحتفل بعيد تدشين الكنيسة الأثرية يوم 6 هاتور من كل عام.
وسار عبر القرون منارة روحية عظيمة للرهبنة والصلاة والعبادة، فدير المحرق ليس مجرد مبان أثرية أو جدران تاريخية، بل هو مكان عاش فيه القديسون وصلى فيه الآباء الرهبان عبر الأجيال القديمة وحمل رسالة الإيمان والمحبة والسلام.
دير المحرق له طقوس خاصة في احتفالاته بتذكار دخول العائلة المقدسة أرض مصر وتدشين الكنيسة الأثرية؟
أوضح نيافة الأنبا بيجول أن لدير المحرق طقوس دينية خاصة به، منها الصلاة في الكنيسة الأثرية والتي شيدت في نفس مكان البيت الذي عاش فيه السيد المسيح ودش مذبحه هناك، وتكون الصلاة فيها باللغة القبطية والتقديم الذبيحة فيه لا تنقطع، أي تقام فيه كل يوم قداس ماعدا الأيام الأربعة من أسبوع الألام.
وفي أثناء عيد الصليب نقوم بعمل زفة في الدير كله ونقف عند محطات معينة بالدير لنقرأ الأناجيل. وكذلك يوم عيد دخول السيد المسيح أرض مصر يكون لنا طقوس خاصة في الصلاة، ولدينا احتفال خاص يوم عيد تكريس الكنيسة الأثرية يوم 6 هاتور، نصلي فيه بالنغم الفرايحي.
وقدم دير المحرق ألحان للكنيسة من المخطوطات التي كانت لديه مثل توزيع برامون عيد الميلاد – مديح “استرماجي”، وبدأ ينتشر في أغلب الكنائس.
وماذا عن زيارات شعوب الحبشة وأريتريا لدير المحرق؟
يذكر تقليد الكنيسة في الحبشة أن أول من بشرها بالمسيحية هو القديس متى الرسول ولكن المسيحية لم تنتشر انتشاراً واسعاً إلا بعد مارسم القديس أثناسيوس البابا العشرون (326 ـ 373 م) فرمنتوس أول أسقف على الحبشة وأطلق عليه الأحباش اسم الأنبا سلامة، حيث أصبحت الحبشة بذلك إحدى إيبارشيات الكرسي الاسكندري وأخذت المسيحية تنتشر بإقبال الأحباش إليها.
وأحب الأحباش الأماكن التي عاش فيها السيد المسيح له المجد في فلسطين، كذلك في جبل قسقام في مصر التي اعتبروها أورشليم الثانية فانجذب الكثير منهم إلى ترك بلادهم والتوجه إلى هذه الأماكن ليحيوا فيها حياة النسك والزهد الرهبانية.
والتاريخ يذكر أنهم كانوا في أواخر القرن الرابع في دير قسقام، وكان الدير وخاصة الكنيسة الأثرية لهما شأن عظيم بالنسبة للأحباش، وهم يجلُّون الدير ويحترمونه ويقدسونه ويهابونه حتى أن ترابه يعتبرونه بركة لأن السيد المسيح له المجد داسه باقدامه المقدسة وهو طفل، وتعجز هنا الكلمات عن وصف مقدار تبجيلهم للدير وتمتلئ مخطوطاتهم المحفوظة في أديرتهم بالمعجزات العديدة التي صنعتها السيدة العذراء في دير قسقام.
ويقول العالم كونتى روسيّنى C. COUNTI ROSSIN أحد العلماء المتخصصين في دراسة المخطوطات الأثيوبية (في أوائل القرن العشرين الميلادي) إن مجتمع الأحباش الرهباني في دير قسقام في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين كان نشيطاً. وكان يتكون من حوالي ثلاثين بين راهب وقس وشماس، وكان هذا المجتمع الحبشي مشهوراً لدرجة أن الملك الحبشي صايفا أرادAYFA ARAD كرّمه بإرسال نسخة من الأناجيل على سبيل الهدية. ويذكر التاريخ أن اسم الراهب الذي كان في دير قسقام واستشهد أيام البابا متاؤس الكبير (1378 ـ 1408) هو أرسانيوس الحبشي وفى مخطوطات أخرى أرشليدس.
ويقول الأحباش إن الملكة منتواب ـ إمبراطورة اثيوبيا زارت دير قسقام في القرن 18 الميلادي ونقلت تراباً منه مزجته في مواد بناء كنيسة عظيمة في مدينة قسقام التى تعتبر من المدن الأثيوبية الرئيسية (والتي لها مركز كنسي هام) بإقليم جوندار GONDAR في الحبشة ـ باسم كنيسة جبل قسقام. حيث بناها إياسو الثاني في سنة 1738 م ومن ذلك الوقت رتبت الكنيسة الحبشية الصوم المعروف بصوم قسقام مدته أربعون يوماً (يبدأ من 26 توت وينتهي في 5 هاتور ليلة عيد تكريس كنيسة السيدة العذراء بدير المحرق).
وكان الأحباش لكثرتهم لهم كنيستهم التي يقيمون فيها صلواتهم. وأقدم كنيسة عرفت هى كنيسة يوحنا المعمدان التي كانت مجاورة لكنيسة السيدة العذراء الأثرية. ولما أزيلت كنيسة القديس يوحنا المعمدان، وتوسعت الكنيسة الأثرية وبنيت الصالة الخارجية تم بناء كنيسة للأحباش فوقها في القرن 19 الميلادي حيث قد بلغ عددهم حوالي 40 راهباً إلا أنه في الثلاثينات من القرن العشرين أزيلت الكنيسة الحبشية خوفاً على مباني الكنيسة الأثرية …
ولقد قل الأحباش كثيرا بعد الحرب الإيطالية الحبشية (1936 ـ 1948 م) والاضطرابات المستمرة في جنوب السودان لأنهم كانوا يأتون من الحبشة إلى دير قسقام سيراً على الأقدام.
دير المحرق زحفت من حوله مناطق سكنية وقرى عامرة بالسكان.. كيف يتعامل مع السكان من حوله؟
بالفعل امتد العمران من حول دير المحرق من كل الجوانب، وهناك إيبارشية تابعة للدير.. ودير المحرق يتميز بالخدمة الروحية للسكان ويفتح أبوابه لخدمتهم، ماعدا أيام معينة في السنة منها الصوم الكبير وبعض أيام صوم الميلاد.
مع كثرة الزيارات التي تتردد على دير المحرق.. هل تواجه تحديات أو صعوبات في صيانة مباني الدير؟
نحاول باستمرار رصد أي مشكلة، وبالطبع هناك تعاون مستمر بيننا وبين جهات الدولة المعنية لتنظيم الأمور.. الدير يعتبر أثر فأي عمل نقوم به يكون بالتنسيق مع هيئة الآثار.
ومن الزيارات التي يتم التنسيق والإعداد لها بدقة مع مؤسسات الدولة، موسم العائلة المقدسة في 18 يونيو إلى 28 يونيو وفيه تكون أعداد الزوار كبيرة جدا.. ووقت هذا الموسم يكون الامن موجود ويتابع بكل دقة ونظام لتسهيل حركة الناس.ماذا يحتاج دير المحرق ليكون جاهز لتوافد السياح عليه؟
كلما كان الوصول للدير أمن وممهد من خلال طرق جيدة، يسهل ذلك وصول السياح، فالدولة اهتمت بتمهيد ورصف الطرق المؤدية للدير لتشجيع السياحة، وكذلك قامت بتامين هذه الطرق.
لكن هناك خطوات مهمة يحتاجها الدير أيضا، منها توصيل شبكات صرف صحي للدير، وأيضا الغاز الطبيعي لم يصل للدير، ونحن نأمل أن الدولة تساعدنا في ذلك.
أيضا من ضمن التحديات التي تواجه دير المحرق، هو عدم وجود أماكن إقامة كافية للزوار – سواء داخل الدير أو خارجه، لذا نتمنى أن أجهزة الدولة المعنية تساعدنا على إقامة فندق ليستوعب احتياج الزوار المقيمين في المنطقة، وتسهيل إجراءات انشاءه. فالدير مستعد لتخصيص قطعة أرض لعمل فندق داخل أسواره.
هل المنطقة المحيطة بالدير جاهزة للزيارات السياحية؟ هل السكان مؤهلين لاستقبال السياح؟
السكان المحيطين بالدير يحبون المكان ويحترموه ويفتخرون بوجودهم بالقرب من الدير، وهم شعب طيب ومسالم ويتقبل الزائر، بدليل أنه وقت المواسم الاحتفالية بالدير نجد السكان حول المنطقة يتيحون بيوتهم للإيجار. لذلكمن السهل التعامل معهم وإرشادهم وخلق فرص عمل لأفراد أسرهم، وهذا يتم بالتعاون بين أجهزة الدولة المعنية والمجتمع المدني والكنيسة.
إن رفع كفاءة سكان المنطقة وخلق فرص عمل لهم سيجعلهم يحبون الدير أكثر ويحرصون على حمايته.