يعود الحوار اللاهوتي بين الكنائس الأرثوذكسية والأنجليكانية إلى أكثر من خمسة عقود، في مسار كنسي يهدف إلى تعميق الفهم المتبادل ودراسة القضايا اللاهوتية والكنسية المشتركة، من خلال لقاءات تجمع ممثلين عن عدد من الكنائس الأرثوذكسية وأعضاء الشركة الأنجليكانية.
وتتواصل أعمال هذا الحوار حاليًا في مدينة الإسكندرية، التي تستضيف اجتماعات اللجنة الدولية للحوار اللاهوتي بين الأرثوذكس والأنجليكان (ICAOTD)، برعاية بطريركية الإسكندرية وسائر أفريقيا للروم الأرثوذكس، وبمشاركة وفود كنسية من عدة دول.
متى بدأ الحوار اللاهوتي بين الأرثوذكس والأنجليكان؟
تأسست اللجنة الدولية للحوار اللاهوتي بين الأرثوذكس والأنجليكان عام 1973، لتكون إطارًا للحوار المنظم بين ممثلي الشركة الأنجليكانية والكنائس الأرثوذكسية المرتبطة بالبطريركية المسكونية. وعلى مدار أكثر من 50 عامًا، عقدت اللجنة اجتماعات في عدد من الدول، وناقشت قضايا متعددة تتعلق بالعقيدة والكنيسة والحياة المسيحية.
ولم يقتصر الحوار على دراسة نقاط الاختلاف، بل سعى أيضًا إلى تحديد مساحات الاتفاق، وبناء فهم مشترك للقضايا التي تمس حياة الكنائس ورسالتها في العالم.
ماذا يناقش الحوار؟
شهدت مراحل الحوار الأولى اهتمامًا بالقضايا اللاهوتية والعقائدية والكنسية، ثم تطور مساره خلال السنوات الأخيرة ليشمل قضايا مرتبطة بالإنسان والحياة والتحديات الأخلاقية المعاصرة.
ومن أبرز ثمار هذا المسار بيان بافالو عام 2015 «في صورة الله ومثاله: أنثروبولوجيا مملوءة بالرجاء»، الذي تناول الفهم اللاهوتي للإنسان باعتباره مخلوقًا على صورة الله ومثاله، وأصبح أساسًا لسلسلة من البيانات التي تبحث التداعيات الأخلاقية لهذا الفهم.
كما تناول الحوار قضايا البيئة، من خلال بيان «وكلاء الخليقة»، إلى جانب موضوعات تتصل بالحياة والموت، ومن بينها وثيقة «الموت جيدًا، والحياة جيدًا: رجاؤنا الأكيد والثابت».
من العقيدة إلى قضايا الإنسان
يعكس تطور أجندة الحوار انتقاله من التركيز على رسم صورة دقيقة للقضايا العقائدية والكنسية إلى تطبيق ما يجري التوافق عليه لاهوتيًا على تحديات الحياة المعاصرة.
وتوضح الوثائق الرسمية للجنة أن المرحلة الحالية تقوم على منهج يبدأ بتأسيس أرضية لاهوتية مشتركة حول طبيعة الإنسان، ثم تطبيق هذا الفهم على قضايا مثل الأزمة البيئية، والأخلاقيات الطبية، ونهاية الحياة.
كما ناقشت اللجنة في اجتماعها عام 2025 موضوع «الرسالة في العالم المعاصر»، بما يشمل الرسالة والشهادة والتلمذة، في إطار البحث عن دور مشترك للكنائس في مواجهة تحديات المجتمعات الحديثة.
لماذا تستضيف الإسكندرية أعمال الحوار؟
يحمل انعقاد اللجنة في الإسكندرية أهمية كنسية وتاريخية، إذ تستضيف المدينة أعمال اللجنة في ضيافة بطريركية الإسكندرية وسائر أفريقيا للروم الأرثوذكس، فيما يشارك في اللقاء ممثلون عن كنائس أرثوذكسية من الإسكندرية وأنطاكية والقدس وصربيا ورومانيا وبلغاريا وقبرص واليونان وألبانيا، إلى جانب ممثلين عن كنائس أنجليكانية من عدة دول.
وكانت اللجنة قد عقدت لقاءات سابقة في عدد من المدن، كما شهد مايو 2026 لقاءات غير رسمية بين البطريركية المسكونية والشركة الأنجليكانية، جرى خلالها بحث عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، والإعداد للاجتماع العام للجنة في الإسكندرية خلال سبتمبر.
ويأتي اجتماع الإسكندرية كحلقة جديدة في مسار طويل من الحوار بين الأرثوذكس والأنجليكان، يقوم على دراسة القضايا اللاهوتية، وتبادل الخبرات، وتعزيز الثقة والتفاهم، إلى جانب البحث عن مجالات يمكن أن تتعاون فيها الكنائس في خدمة الإنسان والمجتمع.