تشهد إيران منذ أمس الأربعاء، اتساع رقعة الإضرابات والاحتجاجات لتشمل عددًا من المدن الكبرى، في وقت لوّح فيه رئيس السلطة القضائية بتشديد القبضة الأمنية وملاحقة المتظاهرين قضائيًا، وسط تصاعد غير مسبوق في حدة الغضب الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والانهيار الحاد للعملة المحلية، وفقًا لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
مدن خاوية من البشر والمحال تغلق أبوابها في إيران
وأظهرت مقاطع مصورة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب شهادات شهود عيان وتقارير إعلامية إيرانية، إغلاق التجار وأصحاب المحال في الأسواق التقليدية بمدن تبريز وأصفهان ومشهد وكرمان، احتجاجًا على تردي الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، ما جعل الشوارع والميادين شبه خاوية، فيما عدا الشوارع التي تشهد الاحتجاجات.
وتُعد البازارات في إيران ذات أهمية خاصة، ليس فقط بوصفها مراكز للتجارة اليومية، بل باعتبارها رمزًا للاقتصاد الوطني، على غرار أسواق المال في الدول الغربية، ما يمنح هذه الخطوة بعدًا رمزيًا وسياسيًا لافتًا.
وفي العاصمة طهران، واصلت المحال التجارية في السوق التقليدية، الذي انطلقت منه موجة الاحتجاجات الأخيرة، إغلاق أبوابها لليوم الحادي عشر على التوالي.
وداخل الممرات المتشابكة للسوق، انتشرت قوات الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع واعتدت بالضرب على عدد من التجار والعمال المحتشدين، بحسب إفادات صاحبي محال فضّلا عدم الكشف عن هويتهما خوفًا من التعرض للانتقام.
وأكد التاجران، وهما عضوان في نقابات مهنية، خلال مقابلات هاتفية، أن محاولات الحكومة التوسط مع ممثلي التجار لم تحقق أي نتائج حتى الآن.
وأشار أحدهما إلى أن حالة من التضامن سادت بين أصحاب المحال، رغم المخاوف من الخسائر المالية، ما دفعهم إلى مواصلة الإغلاق والضغط، مع بقاء الغموض قائمًا حول المدة التي يمكن أن تستمر فيها هذه الخطوة.
وفي خطوة تصعيدية أخرى، أعلنت السلطات البلدية في طهران عن إغلاق محطة مترو السوق، وهي من أكبر مراكز النقل في العاصمة، إلى أجل غير مسمى.
وكان عناصر الأمن قد أطلقوا، يوم الثلاثاء، قنابل الغاز داخل المحطة المغلقة تحت الأرض، ما أدى إلى حالة من الفوضى ودفع الركاب والمتوجهين للانضمام إلى الاحتجاجات إلى الفرار، وفقًا لشهادات التجار.
وبالتوازي، انتشرت قوات مكافحة الشغب في شوارع طهران ومدن أخرى، مستخدمة الدراجات النارية لملاحقة المتظاهرين والاعتداء عليهم، بحسب مقاطع مصورة بثتها هيئة الإذاعة البريطانية باللغة الفارسية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأظهرت بعض المقاطع إطلاق النار باتجاه الحشود، فيما سُمع دوي طلقات نارية في مقاطع أخرى، وفي مدينة شيراز، نُصبت حواجز عسكرية على أحد الشوارع الواسعة التي تصطف على جانبيها الأشجار، مع انتشار آليات عسكرية لتأمين المنطقة.
ورغم هذا المشهد الأمني المشدد، حاولت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تبني خطاب تصالحي، حيث قالت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن جميع المحتجين هم أبناء الوطن، وإن كل قطرة دم تُراق تُسبب ألمًا للحكومة.