البابا تواضروس يشارك بكلمة مسجلة.. والذكاء الاصطناعي يستعيد محطات من تاريخ الكلية وشخصياتها.. وأقدم خريجاتها تسلّم المصباح إلى دفعة 2026
“أثر باقٍ ونور ممتد”.. 1500 خريج في حصاد 50 عامًا من إكليريكية المنيا
أقدم خريجاتها تسلّم المصباح لدفعة 2026.. إكليريكية المنيا توثق نصف قرن من رسالتها
بين مشاهد أعادت شخصيات من الماضي إلى خشبة المسرح، ودموع تأثر استحضرت مسيرة الراحل الأنبا أرسانيوس و الأنبا مكاريوس، و مصباح مضيء انتقل من أقدم خريجات الكلية إلى دفعة 2026، احتفلت الكلية الإكليريكية بالمنيا بمرور 50 عامًا على تأسيسها، في مناسبة جمعت بين التوثيق التاريخي والعروض الفنية والتقنيات الحديثة، واستعادت خلالها محطات من رحلة التعليم اللاهوتي وإعداد أجيال من الدارسين والخدام.


واكتملت أجواء استعادة الذاكرة في دار مطرانية المنيا للأقباط الأرثوذكس، حيث اصطفت صور بالحجم الطبيعي لعدد من أعضاء هيئة التدريس، لتوثق وجوهًا ارتبطت بتاريخ الكلية ومسيرتها على مدار خمسة عقود، فيما امتد برنامج الاحتفالية إلى أكثر من ثلاث ساعات، تنقل خلالها الحضور بين شهادات الخريجين والعروض المسرحية والفقرات الموسيقية.
وشهدت الاحتفالية، التي أُقيمت بدار المطرانية في وسط مدينة المنيا، حضور مطرانين و7 أساقفة، إلى جانب ممثلين للكليات الإكليريكية والمعاهد الدينية والأديرة، وعدد من مسؤولي المؤسسات الدينية والشخصيات العامة، وخريجي الكلية من دفعات مختلفة.
وشارك قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بكلمة مسجلة أُعدت خصيصًا للمناسبة، لتعذر حضوره شخصيًا. واستعاد الاحتفال بداية تأسيس الكلية عام 1976، في عهد الراحل قداسة البابا شنودة الثالث، الذي حضر إلى المنيا بنفسه، لتبدأ الدراسة في حجرات صغيرة داخل مدرسة الأقباط، قبل أن تتواصل مسيرتها في التعليم اللاهوتي على مدار نصف قرن.
وقال نيافة الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا وتوابعها، إن إنشاء الكلية الإكليريكية كان من أوائل اهتمامات الراحل الأنبا أرسانيوس، مطران المنيا، بعد أشهر من رسامته، موضحًا أنها افتُتحت عام 1976، مع بداية خدمته بالإيبارشية، وانطلقت بإمكانات بسيطة، انطلاقًا من الاهتمام بالتعليم والتعمق في الدراسات الكنسية.
من جانبه، قال القس أغسطينوس الفونس، وكيل الكلية الإكليريكية، إن الدارسين يأتون من مراكز محافظة المنيا التسعة، إلى جانب دارسين من محافظتي أسيوط وبني سويف، مشيرًا إلى أن عدد خريجي الكلية على مدار تاريخها لا يقل عن 1500 خريج.
واستعرض فيلم توثيقي حمل عنوان «قالوا عنها» شهادات وذكريات لخريجين من دفعات مختلفة، من بينهم مكرسات، إلى جانب أساتذة وخدام تحدثوا عن تجربتهم الدراسية وما تركته الكلية من أثر في تكوينهم العلمي والروحي، ودورها في إعداد أجيال من الدارسين والخدام.
وقالت الراهبة المكرسة هلبيس، إحدى خريجات الكلية، إن الدراسة الإكليريكية ليست قاصرة على الرجال، وإنما تتيح لكل خادم فرصة التعمق في علوم الكتاب المقدس وتعزيز معرفته بالدراسات اللاهوتية. فيما أوضح الدكتور جوزيف ذكري أن الشخص يدخل الكلية الإكليريكية بشخصية ويخرج منها بشخصية أخرى، في إشارة إلى أثر الدراسة في تطوير الثقافة والعمق المعرفي.
وكان الأوبريت التاريخي، الذي أعده وأخرجه المخرج ميشيل منير، من أبرز فقرات الاحتفالية، إذ تناول محطات من تاريخ الكلية وشخصيات أسهمت في مسيرتها، عبر عرض جمع بين المشاهد التاريخية والأداء المسرحي المعاصر، واستعان بتقنيات الذكاء الاصطناعي لاستعادة أحداث وشخصيات من الماضي، ثم الانتقال إلى مشاهد معاصرة مرتبطة بها أو تستكمل مسيرتها.
وتأثر عدد من الحاضرين حتى البكاء خلال مشهدين رئيسيين؛ جسّد الأول أحد الخدام في صورة الراحل الأنبا أرسانيوس، مستعرضًا رحلة تعبه وعطائه، وصولًا إلى مشاهد من جنازته، فيما تناول الثاني شخصية الأنبا مكاريوس، من خلال مشاهد جسدت مساندته للأنبا أرسانيوس كابن لأبيه، ثم مواصلته تحمل المسؤولية بعد رحيله.
واعتمد العرض على شاشة عملاقة خلف المسرح، تحولت إلى نافذة تعبر بالحضور بين الأزمنة، من خلال عرض صور لافتتاحات وأحداث وقعت بالفعل في الماضي، أعقبها ظهور ممثلين بملابس الشخصيات وماكياج متقن، لاستكمال المشاهد بالأداء المسرحي والأصوات، في محاولة للجمع بين الصورة التاريخية وتجسيد الأحداث أمام الجمهور.
كما أسهم توظيف الإضاءة وتوزيع وحدات الصوت، إلى جانب المجسمات التي جسدت شخصيات محورية في تاريخ الكلية على ثلاثة جوانب من ساحة العرض، في تركيز انتباه الحضور ومتابعتهم تفاصيل الأوبريت رغم امتداده لأكثر من ثلاث ساعات.
وفي ختام المشاهد الرمزية المرتبطة باستمرار الرسالة التعليمية، صعدت السيدة جانيت وديع، أقدم خريجات الكلية، إلى خشبة المسرح حاملة مصباحًا مضيئًا، قبل أن تسلّمه إلى دفعة 2026، في إشارة إلى انتقال نور التعليم بين الأجيال. ثم تسلّمت طفلة ترمز إلى المستقبل المصباح، ونزلت به من أعلى خشبة المسرح لتسليمه إلى الأنبا مكاريوس، في مشهد اختُتمت به رسالة الاستمرار من الماضي إلى الحاضر والمستقبل.
وشهدت الاحتفالية كذلك إزاحة الستار عن كتاب «أثر باقٍ ونور ممتد»، الذي أعده القس أغسطينوس الفونس، وكيل الكلية، لتوثيق جانب من تاريخها ومسيرتها، إلى جانب تقديم ترنيمة «مدرسة الإسكندرية» للمرة الأولى، بصوت المرنم أبانوب عادل، ومن كلمات الشاعر رمزي بشارة، وقد أُعدت خصيصًا للاحتفال باليوبيل الذهبي.
وقدم خورس الكلية الإكليريكية فقرة موسيقية تضمنت ميدلي من ألحان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تنقل بين ألحان ارتبطت بمراحل العام المختلفة، من بدايته وحتى نهايته، مرورًا بالأعياد والمناسبات الكنسية. كما شارك كورال «بيت الملايكة» للبنات، التابع لمطرانية المنيا، في فقرات الاحتفال التي شهدت تفاعلًا من الجمهور.
وجمعت الاحتفالية بين شهادات من عاصروا الكلية، واستعادة محطات تأسيسها، وتكريم ذاكرتها عبر العروض الفنية والتوثيقية، لتقدم صورة عن مسيرة امتدت خمسة عقود من التعليم اللاهوتي في المنيا، وما ارتبط بها من إعداد للدارسين والخدام، واستمرار انتقال المعرفة والخبرة من جيل إلى آخر.