شهدت الأسواق المصرية، خلال الأيام الأخيرة، ارتفاعًا ملحوظًا فى سعر صرف الدولار أمام الجنيه، وتخطى سعره ٥٢ جنيهًا، وذلك بعد أيام من الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران.
ويرى خبراء مصرفيون واقتصاديون أن مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية تداخلت لتدفع سعر الدولار إلى الارتفاع، من أبرزها: خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة المعروفة بـ«الأموال الساخنة»، فى ظل اتجاه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل السندات الأمريكية والدولار، إضافة إلى زيادة الطلب المحلى على العملة الأجنبية لتغطية احتياجات الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية.
كما رأوا أن نظام سعر الصرف المرن الذى يتبناه البنك المركزى المصرى يلعب دورًا فى سرعة انعكاس تحركات العرض والطلب على سوق النقد الأجنبى، ما يجعل العملة المحلية أكثر تأثرًا بالتقلبات الاقتصادية العالمية.
ومع استمرار حالة عدم اليقين فى الاقتصاد الدولى، يُجيب الخبراء عن السؤال المطروح حول مدى استمرار هذه الموجة من ارتفاع الدولار، وما إذا كانت مؤقتة مرتبطة بالظروف الراهنة أم تعكس تحولات أعمق فى المشهد الاقتصادى العالمى.
خروج «الأموال الساخنة» أبرز الأسباب.. والطلب زاد لتلبية احتياجات الاستيراد
أكد الخبير المصرفى محمد عبدالعال أن الارتفاع الأخير فى سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصرى يعود بالدرجة الأولى إلى مجموعة من المتغيرات العالمية والإقليمية، التى انعكست بشكل مباشر على الأسواق الناشئة ومنها السوق المصرية، موضحًا أن ما يحدث حاليًا لا يمكن فصله عن حالة التوتر الجيوسياسى التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط وما تفرضه من حالة عدم يقين فى الاقتصاد العالمى.
وأوضح «عبدالعال» أن تجاوز سعر الدولار حاجز ٥٢ جنيهًا أثار العديد من التساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية، إلا أن قراءة المشهد بشكل أعمق تشير إلى أن تحركات العملة الأمريكية ليست مرتبطة بعوامل محلية فقط، بل ترتبط بشكل وثيق بتطورات الاقتصاد العالمى وسلوك المستثمرين الدوليين فى أوقات الأزمات، فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية يميل المستثمرون عادة إلى تقليل المخاطر فى محافظهم الاستثمارية والاتجاه نحو ما يعرف بالملاذات الآمنة، وعلى رأسها: الدولار والسندات الحكومية الأمريكية.
وأضاف أن هذه التحولات أدت إلى خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من الأسواق الناشئة ومن بينها مصر، وهى الاستثمارات المعروفة بـ«الأموال الساخنة»، التى تتسم بحساسيتها الشديدة تجاه التقلبات السياسية والاقتصادية العالمية.
وأشار إلى أن تقديرات السوق تشير إلى خروج مليارات الدولارات خلال الفترة الأخيرة من أدوات الدين فى بعض الأسواق الناشئة، وهو ما يخلق ضغوطًا مؤقتة على العملات المحلية نتيجة زيادة الطلب على الدولار.
ولفت إلى أن تبنى البنك المركزى المصرى نظام سعر الصرف المرن يجعل سعر العملة أكثر تفاعلًا مع حركة العرض والطلب فى سوق النقد الأجنبى، وهو ما يفسر سرعة انعكاس أى تغيرات فى تدفقات رءوس الأموال أو الطلب على الدولار داخل السوق المحلية.
وأوضح أن هذا النظام، رغم ما قد يسببه أحيانًا من تقلبات قصيرة الأجل، يعد من الأدوات المهمة لتعزيز استقرار الاقتصاد على المدى الطويل، لأنه يسمح بامتصاص الصدمات الخارجية دون استنزاف الاحتياطيات النقدية.
وتابع أن الطلب المحلى على الدولار لا يرتبط فقط بخروج الاستثمارات الأجنبية، بل يتأثر أيضًا باحتياجات الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية، وهى عوامل طبيعية فى أى اقتصاد يعتمد على استيراد جزء من احتياجاته من الخارج، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا، تزداد قيمة الفاتورة الاستيرادية، ما يرفع بدوره الطلب على العملة الصعبة.
وأكد «عبدالعال» أن ما تشهده سوق الصرف حاليًا يجب النظر إليه فى إطار التطورات العالمية وليس باعتباره أزمة داخلية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصرى يمتلك مجموعة من المقومات التى تساعده على التعامل مع مثل هذه التقلبات، من بينها: الاحتياطى النقدى الأجنبى القوى، واستمرار تدفقات النقد الأجنبى من مصادر متعددة مثل السياحة وتحويلات المصريين فى الخارج وقناة السويس.
الارتفاع «مؤقت».. والاحتياطى القوى يضمن الاستقرار مع هدوء أوضاع المنطقة
قال الدكتور أحمد معطى، الخبير الاقتصادى، إن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه إلى مستوى ٥٣ جنيهًا يعود بشكل رئيسى إلى التوترات الجيوسياسية فى منطقة الشرق الأوسط، خاصة العمليات العسكرية التى تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وردود طهران على عدد من الدول العربية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على الاقتصاد العالمى والاقتصاد الإقليمى على حد سواء.
وأوضح أن التصعيد العسكرى وزيادة المخاوف من اتساع دائرة الصراع أسهما فى خلق حالة من عدم اليقين داخل الأسواق العالمية، ما انعكس على تقلبات أسعار صرف العملات على مستوى العالم، ودفع المستثمرين للاتجاه نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار الأمريكى.
وأضاف أن الطلب العالمى المتزايد على الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز والسلع المقومة بالدولار أسهم بشكل مباشر فى زيادة الطلب على العملة الأمريكية عالميًا، ما انعكس على سعر الصرف محليًا.
وأشار «معطى» إلى أن توقعات المستثمرين بعدم استمرار مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى فى خفض أسعار الفائدة مع احتمال تثبيتها أو رفعها إذا استمر التضخم الأمريكى فى الارتفاع- أسهمت فى زيادة جاذبية الدولار، وهو ما دفع جزءًا من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة فى أدوات الدين المحلية فى مصر إلى الخروج، مضيفًا أن هذه التخارجات زادت الضغط على العملة المحلية، كما أن ارتفاع فاتورة الواردات، خاصة واردات الطاقة، كان له دور إضافى فى رفع سعر الدولار مقابل الجنيه.
وأكد «معطى» أن ارتفاع عوائد أذون الخزانة المحلية يزيد من تكلفة الاقتراض الحكومى، ما يضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة، لافتًا إلى أن التوترات الإقليمية قد تؤثر على حركة الملاحة بقناة السويس، ما سينعكس على إيرادات النقد الأجنبى، موضحًا أن الارتفاع الحالى فى سعر الصرف يُعد مؤقتًا.
الضغوط على العملات تتزايد فى عدة دول حول العالم وليس مصر فقط
شدد الدكتور أحمد شوقى، الخبير المصرفى، على أن الارتفاع الأخير فى سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصرى لا يرتبط فقط بالعوامل الخارجية والتوترات الجيوسياسية فى منطقة الشرق الأوسط، وإنما يعكس أيضًا مجموعة من العوامل المرتبطة بحركة الطلب المحلى على العملة الأجنبية، والتى تتزايد فى فترات عدم الاستقرار العالمى.
وأشار «شوقى» إلى أن خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، المعروفة بـ«الأموال الساخنة»، يمثل أحد العوامل المؤثرة فى سوق الصرف خلال الفترة الحالية، فى ظل اتجاه بعض المستثمرين الدوليين إلى تقليل استثماراتهم فى الأسواق الناشئة، والتحول نحو الأصول الأكثر أمانًا مثل السندات الأمريكية والدولار، مضيفًا: «هذه التحركات طبيعية، فى ظل حالة الترقب التى تسيطر على الأسواق العالمية مع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية فى المنطقة».
ونبه من جديد إلى أن زيادة الطلب على الدولار داخل السوق المحلية تلعب دورًا مهمًا فى تفسير ارتفاع سعره أمام الجنيه، خاصة مع استمرار احتياجات الاستيراد لتوفير السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، إلى جانب التزامات الدولة والقطاع الخاص بسداد مستحقات خارجية فى مواعيدها، مشيرًا إلى أن «هذه العوامل مجتمعة ترفع الطلب على العملة الصعبة فى فترات معينة، ما ينعكس على حركة سعر الصرف».
وشدد على أن تبنى مصر لنظام سعر الصرف المرن يجعل تحركات العملة أكثر ارتباطًا بقوى العرض والطلب فى السوق، وهو ما يعنى أن أى زيادة فى الطلب على الدولار، أو انخفاض فى التدفقات الدولارية، قد يظهر تأثيرهما بشكل أسرع مقارنة بالأنظمة التى تعتمد على تثبيت سعر الصرف. لكن هذا النظام يساعد فى النهاية على تحقيق توازن حقيقى فى سوق النقد الأجنبى، ويحد من تراكم الاختلالات على المدى الطويل.
وأكمل: «التطورات العالمية الحالية، سواء على مستوى أسعار الطاقة أو حركة التجارة الدولية، لها انعكاسات مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة والسلع الأساسية، وهو ما قد يؤدى إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية الفاتورة الاستيرادية. ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا نتيجة التوترات السياسية، تتزايد الضغوط على العملات المحلية فى العديد من الدول، وليس فى مصر فقط»
ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على العملات المحلية ويضاعف الفاتورة الاستيرادية
ربط الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى، الارتفاع الأخير فى سعر صرف الدولار أمام الجنيه بموجة الاضطرابات التى تشهدها الأسواق العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة فى منطقة الشرق الأوسط، والتى تنعكس بشكل مباشر على حركة العملات وتدفقات الاستثمارات فى مختلف دول العالم، خاصة الأسواق الناشئة.
وأوضح «غراب» أن التصعيد العسكرى فى المنطقة، وما صاحبه من مخاوف بشأن اتساع نطاق الصراع، أدى إلى حالة من القلق وعدم اليقين فى الأسواق المالية العالمية، وهو ما يدفع المستثمرين عادة إلى الاتجاه نحو «الملاذات الآمنة» مثل الدولار الأمريكى.
وأضاف الخبير الاقتصادى: «زيادة الطلب العالمى على الدولار فى مثل هذه الظروف تؤدى بطبيعة الحال إلى ارتفاع قيمته مقابل العديد من العملات، من بينها الجنيه المصرى».
وواصل: «ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا نتيجة التوترات الجيوسياسية يمثل عاملًا إضافيًا فى زيادة الطلب على الدولار، خاصة بالنسبة للدول التى تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها من الطاقة».
وشرح: «مع ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، ترتفع قيمة الفاتورة الاستيرادية، ما يزيد من الضغط على العملات المحلية ويؤدى إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية».
ومن بين العوامل المؤثرة أيضًا، وفق الخبير الاقتصادى، توقعات السياسة النقدية الأمريكية، مبينًا أن استمرار مجلس الاحتياطى الفيدرالى فى تثبيت أسعار الفائدة، أو حتى الاتجاه لرفعها فى حال استمرار الضغوط التضخمية فى الولايات المتحدة يعزز من جاذبية الدولار بالنسبة للمستثمرين عالميًا، ما يدفع بعض الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة إلى الخروج من الأسواق الناشئة، والعودة إلى الأسواق الأمريكية، الأمر الذى يخلق ضغوطًا إضافية على العملات المحلية.
ونبه إلى أن حدوث تخارجات محدودة من الاستثمارات الأجنبية فى أدوات الدين المحلية فى مصر، خلال الفترة الأخيرة، أسهم كذلك فى زيادة الطلب على الدولار، مضيفًا: «هذه التحركات تعد رد فعل طبيعيًا لتقلبات الأسواق العالمية، وليست مرتبطة بعوامل داخلية فقط».
وقال «غراب» إن ارتفاع سعر صرف الدولار قد يؤدى إلى بعض التأثيرات على الاقتصاد المحلى، من بينها زيادة تكلفة الواردات، وارتفاع بعض الأسعار، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومى فى حال زيادة عوائد أدوات الدين المحلية. كما أشار إلى أن التوترات الجيوسياسية قد تؤثر أيضًا على حركة التجارة العالمية والملاحة البحرية، وهو ما قد ينعكس على إيرادات بعض القطاعات المهمة مثل قناة السويس.
1s7kj6