أكد الدكتور منجي علي بدر، الوزير المفوض وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة، أن العالم يشهد تحولات غير مسبوقة تضع منظمة الأمم المتحدة أمام اختبار تاريخي جديد، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتنامي أدوار الفاعلين الإقليميين، وتسارع الثورة التكنولوجية، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المنظمة على الاستجابة لمتطلبات السلم والأمن والتنمية في القرن الحادي والعشرين.
الأمم المتحدة بين صراع الأقطاب وصعود الدول الناشئة
وأوضح الدكتور منجي بدر، في تصريح خاص لـ" الدستور "، أن الأمم المتحدة، منذ تأسيسها عام 1945، ما زالت تمثل الإطار القانوني الدولي الوحيد الذي يجمع بين الشرعية الدولية والتمثيل الشامل والقدرة على إنتاج قواعد مشتركة، رغم ما تعانيه هذه القدرة من قيود سياسية واضحة.
وأشار إلى أن تقييم دور الأمم المتحدة لا ينبغي أن يقتصر على قدرتها في حل النزاعات الكبرى فقط، بل يجب النظر إليها باعتبارها منصة حوكمة عالمية متعددة الوظائف، تشمل إدارة المخاطر العابرة للحدود مثل الأوبئة، وتغير المناخ، والأمن الغذائي، إضافة إلى تنظيم القطاعات الحيوية كـ الطيران، والاتصالات، والتجارة، والطاقة، ودعم الدول الهشة، وبناء المؤسسات الوطنية، وإنتاج المعرفة والمعايير الدولية.
مؤشرات دولية تكشف أهمية الدور الأممي
وكشف عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة عن مجموعة من المؤشرات الدولية التي تعكس ثقل المنظمة، موضحًا أن:
عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بلغ 194 دولة.
عدد الوكالات والبرامج والصناديق الأممية يقارب 39 كيانًا.
حجم التجارة العالمية للسلع والخدمات بلغ نحو 75 تريليون دولار في 2024، مع تقديرات بوصوله إلى 87 تريليون دولار في 2025.
بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا نحو 1.5 تريليون دولار في 2024، بانخفاض قدره 11% عن العام السابق، مع توقعات تراوح بين 1.4 و1.6 تريليون دولار خلال 2025.
قُدّر حجم الناتج الإجمالي العالمي بنحو 117 تريليون دولار أمريكي في 2025.
أزمة الأمم المتحدة: اختلال توازن لا غياب دور
وأشار الوزير المفوض إلى أن الأمم المتحدة ليست كيانًا واحدًا، بل منظومة متعددة المستويات ذات أبعاد قانونية وإنسانية وتنموية واقتصادية، لافتًا إلى أن أزمتها الحقيقية لا تكمن في غياب الدور، بل في اختلال التوازن بين وظيفتها السياسية ووظيفتها التنظيمية.
وأوضح أن المنظمة حققت نجاحات نسبية في إدارة الملفات الفنية العابرة للحدود، لكنها فشلت في تحييد إرادة القوى الكبرى عن القضايا السيادية والأمنية الحساسة.
الدول العربية والنامية بين الاعتماد والشك
وأكد الدكتور منجي بدر أن علاقة الدول العربية والنامية بالأمم المتحدة تتسم بازدواجية واضحة، حيث تعتمد هذه الدول على الوكالات الأممية في مجالات التنمية والصحة والتعليم والإغاثة الإنسانية، في الوقت الذي تتنامى فيه الشكوك حول حيادية المنظمة في القضايا السياسية الكبرى، خاصة المرتبطة بالسيادة والتدخلات الخارجية.
وأضاف أن غياب الأمم المتحدة كإطار جامع سيعيد العلاقات الدولية إلى منطق النفوذ المباشر، ما يجعل الدول الأضعف ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى دون أي غطاء قانوني أو إنساني.
سيناريوهات مستقبل النظام الدولي
وأشار إلى أن غالبية التحليلات الاستراتيجية تتوقع انتقال العالم إلى تعددية قطبية غير مستقرة، تتداخل فيها القوة العسكرية مع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، مؤكدًا أن سيناريو “ما بعد الأمم المتحدة” غير واقعي، بينما يظل السيناريو الأقرب هو الإصلاح التدريجي، وتوسيع التمثيل، وتعزيز مرونة الهياكل المؤسسية، وتقوية دور الوكالات الفنية.
وأوضح أن هذا المسار، رغم أنه قد لا يحقق العدالة الكاملة، فإنه يوفر حدًا أدنى من القابلية لإدارة نظام دولي بالغ التعقيد.
إصلاح مجلس الأمن في عصر الذكاء الاصطناعي
وفي سياق متصل، شدد الوزير المفوض على أن العالم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديدات، تشمل الحروب السيبرانية، واستخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا، والهجمات على البنية التحتية الرقمية، ما يستدعي إصلاحًا جذريًا في مجلس الأمن الدولي.
وأوضح أن الإصلاح يجب أن يشمل:
تحديث مفهوم السلم والأمن الدوليين.
دمج الخبرة التكنولوجية في آليات صنع القرار.
توسيع مفهوم الأمن الجماعي ليشمل الأمن الرقمي والاقتصادي.
وأكد أن إصلاح مجلس الأمن لا يمثل تنازلًا من القوى الكبرى، بل استثمارًا في استقرار نظام دولي تزداد فيه تكلفة غياب الضوابط مقارنة بتقاسم النفوذ.
مستقبل الأمم المتحدة… التكيف أو فقدان التأثير
واختتم الدكتور منجي بدر تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الأمم المتحدة لن يُحسم بسؤال بقائها أو زوالها، بل بقدرتها على التكيف مع نظام دولي متعدد الأقطاب، أكثر تنافسية وأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا.
وحذر من أن فشل هذا التكيف لن يضر الدول النامية وحدها، بل سيمتد أثره إلى المواطن العادي حول العالم، الذي سيجد نفسه في نظام دولي أقل استقرارًا وأكثر عرضة للأزمات.